فهرس الكتاب

الصفحة 37 من 218

و قال أيضا: (( ويقال لهم: الكلام صفة للذات أو صفة للفعل؟. فإن قالوا: صفة للفعل وافقونا، وإن قالوا: صفة ذاتٍ. قلنا: لا يعقل كونه متكلمًا إلا وجود الكلام من جهته و وجود الكلام من جهته، يحيل كونه صفة للنفس. وبعد فإن الكلام حروفٌ مختلفة فوجب أن يكون في نفسه على صفات مختلفة وهي صفات الحروف، وأيضًا يجب أن يكون متكلمًا بسائر أجناس الكلام من الصدق والكذب إذ لا اختصاص لذاته بكلام دون كلام. ويقال لهم: أليس الكلام لا يفيد إلا ترتيب الحروف؟ فيقال: زيد، فإذا كان الكلام قديمًا لا يترتب بعضه على بعض، فليس قولنا زيدٌ أولى من أن يكون يزدًا أو ديزًا؛ لأن الحروف قديمة والترتيب إنما يصح فيما يحدث بعده بعد بعض. ويقال لهم: أليس خَصَ موسى بالكلام في وقته دون سائر الناس؟ فلا بد من: بلى، فيقال: لِمَ صار مكلمًا له دون خلقه؟ ولو كان صفة لذاته لوجب أن يكون متكلمًا مع سائر الخلق وأن لا يقف ذلك على واحد إذ لا اختصاص لواحد بذاته. ويقال: هل كان كلامه مع موسى وغيره موقوفًا على اختياره أم لا؟. فإن قال: لا، تجاهل، وإن قال: بلى. قلنا: وقف على اختياره بكونه فعله لا صفة ذاته ) ) [1] .

و ردا عليهم أقول: إن مزاعم هؤلاء غير صحيحة كلها تقريبا، وليس فيها من الحق إلا القليل اليسير. لأنه أولا إن كلام الله تعالى قائم على صفة الكلام، فهي أزلية كغيرها من الصفات، التي هي تابعة للذات و لا تنفك عنها بالضرورة. و بما أن الله تعالى فعال لما يريد، فإنه سبحانه يتكلم متي شاء، و كيف يشاء، و بما يشاء.

و هؤلاء لم يُفرقوا بين أفعال الله تعالي و بين مفعولاته التي هي مخلوقاته. فجعلوا القرآن من مخلوقاته بحكم أنهم جعلوه من أفعاله، و هذا لا يصح. لأن الحقيقة هي أن الأمر يتكون من: الفاعل و هو الله تعالى، و الفعل و هو الفعل الإلهي، و المفعول، و هو المخلوق الذي ترتب عن فعل الفاعل. فلا يُمكن أن يكون الفعل هو المفعول. و هذا أيضا واضح في أفعال البشر - و لله المثل الأعلى- فالإنسان عندما يصنع سيارة مثلا، فهو الصانع، ثم قيامه بأفعال الصنع، ثم ينتج المصنوع. فنحن هنا أمام: الصانع، و فعل الصنع، و المصنوع. و لا يُمكن أن يكون المصنوع هو فعل الصنع، لأن فعل الصنع هو العمل الذي قام به الصانع منه صدر و إليه رجع.

(1) المحسن بن كرامة الجشمي: تحكيم العقول في تصحيح الأصول، ص: 113 - 114.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت