فهرس الكتاب

الصفحة 38 من 218

و بما أن الله تعالى أخبرنا أنه يخلق بعبارة"كن"لقوله سبحانه: {إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ} النحل 40 - . فعبارة كن هي من كلام الله، و هي فعله أيضا. فهي فعل غير مخلوق و لا مفعول، و إنما هي التي يتكون بها المخلوق، الذي هو المفعول المُتكوّن بفعل: كن. و هو الشيئ الذي أراد الله تعالى خلقه. و عليه فإن كلام الله ليس مخلوقا، لأنه من أفعاله و ليس مفعولاته. فهو لا يختلف عن كلمة: كن، التي هي نفسها من كلامه. و كلامه سبحانه منه خرج و إليه يعود فهو تابع لذاته، و ليس من مخلوقاته، و لا مُنفصلا عنه.

ذو ثانيا لا يصح وصف كلام الله، و منه القرآن الكريم، بأنه حادث إذا قُصد به أنه مخلقوق كما تقول المعتزلة. لكن يجوز وصفه بأنه مُحدث بمعنى أنه جديد ظهر بعد أن لم يكن، لقوله سبحانه: {مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مَّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ} الأنبياء 2 - . كما هو حال الكتب الإلهية التي أنزلها الله تعالى على رسله- عليهم الصلاة و السلام-. فقد ظهرت في أزمان و أماكن معروفة و محدودة. فهي جديدة مُحدثة لأنها مُسبوقة بأزمنة لم تكن فيها موجدودة. لكن هذا لا يعني أن كلامها مخلوق، لأنه سبق أن بينا أن كلام الله كصفة فهوأزلي. لكن كلامه كفعل تكلم به فهو ليس مخلوقا، و لا أزليا، لأنه لا أزلي إلا الله تعالى، و إنما هو كلامه منه خرج و إليه يعود، و لا يصح وصفه بأنه مخلوق لأنه ليس مخلوقا، و لا أنه أزلي لأنه ليس أزليا. فهؤلاء ذكروا شبهات و نصوص لا تدل على خلق القرآن، و انما تدل على أنه جديد، و أن كلام الله مُتعدد و متنوع. فظنوا أن هذا دليل على أنه مخلوق و رد على القائلين بأنه قديم، و نسوا أو تناسوا أن القرآن مُحدث لكنه ليس بمخلوق و لا بقديم.

و ثالثا إن الحديث الذي ذكره القاضي عبد الجبار المتعلق بخلق القرآن، و الذي ذكر آية الكرسي مثالا على ذلك، هو ليس حديثا واحدا كما أورده الرجل، و إنما هو تضمن جزءًا من حديث، و قولا مأثورا عن الصحابي عبد الله بن مسعود، و عبارة زائدة ليست صحيحة. ففيما يخص الجزء من الحديث كما رواه عبد الجبار فهو (( كان الله و لا شيء ) ). هذا الجزء هو جزء من حديث صحيح، و ليس جزءًا من الحديث الذي أورده الرجل. و الحديث بكامله كما رواه البخاري: (( كان الله ولم يكن شيء قبله وكان عرشه على الماء، ثم خلق السموات والأرض وكتب في الذكر

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت