فهرس الكتاب
كل شيء .. )) [1] . واضح منه أنه لم يتضمن العبارة الزائدة التي أشرنا إليها، و هي (( ثم خلق الذِكر ) )التي وردت هكذا عند عبد الجبار: (( (( كان الله و لا شيء، ثم خلق الذِكر ) )، و إنما تضمن العبارة الصحيحة: (( و كتب في الذكر كل شيء ) ).
و أما القول المأثور- الذي جعله الرجل حديثا نبويا- فقد رواه الترمذي و لم يرفعه: (( حدثنا محمد بن إسماعيل قال: حدثنا الحميدي حدثنا سفيان بن عيينة في تفسير حديث عبد الله بن مسعود قال: ما خلق الله من سماء ولا أرض أعظم من آية الكرسي. ) ) [2] .
و الحديث كما أورده عبد الجبار لم يصح إسنادا و لا متنا؛ فمن جهة الإسناد فإن القسم الثاني منه (( ما خلق الله من سماء ولا أرض أعظم من آية الكرسي ) ). لم يصح رفعه إلى النبي -عليه الصلاة و السلام-، فهو (( لا يؤثر عن النبي صلى الله عليه و سلم أصلا، ولكن يؤثر عن ابن مسعود نفسه ) ) [3] .
و القسم الأول منه: (( كان الله و لا شيء، ثم خلق الذِكر ) )، فإسناده لم يصح بهذه الصيغة، و إنما صح بهذه الصيغة (( كان الله ولم يكن شيء قبله وكان عرشه على الماء، ثم خلق السموات والأرض وكتب في الذكر كل شيء .. ) ) [4] . لأن الحديث الذي ورد بالصيغة القريبة التي أوردها عبد الجبار ذكر الفقيه ابن بطة العُكبري الحنبلي (ق:4 هـ) أنها لم تصح، و هي من رواية (( محمد بن عبيد، عن الأعمش، عن جامع بن شداد، عن صفوان بن محرز، عن عمران بن الحصين قال: قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: «كان الله قبل أن يخلق الذكر، ثم خلق الذكر، فكتب فيه كل شيء» ... فأما ما احتجوا به من هذا الحديث فإن أهل العلم وحفاظ الحديث ذكروا أن هذا الحديث وَهَمَ فيه محمد بن عبيد، وخالف فيه أصحاب الأعمش وكل من رواه عنه؛ وبذلك احتج أحمد بن حنبل رحمه الله، فقال: رواه بعده جملة من الثقات، فلم يقولوا: خلق الذكر، ولكن قالوا: كتب في الذكر ) ) [5] .
(1) البخاري: الصحيح، ج 4 ص: 106، ج 9 ص: 124.
(2) الترمذي: السنن، دار إحياء التراث العربي، بيروت، رقم: 2884، ج 5 ص: 161.
(3) ابن تيمية: الفتاوى الكبرى، ط 1، دار المعرفة، بيروت، ج 6 ص: 493.
(4) البخاري: الصحيح، ج 4 ص: 106، ج 9 ص: 124.
(5) ابن بطة العكبري: الإبانة الكبرى، رقم الحديث: 2389 ج 5 ص: 476.