فهرس الكتاب
و أما من جهة المتن فهو أيضا لا يصح، لأنه ذكر أن الله خلق الذِكر، و يعني كلامه تعالى، و هذا باطل، فقد سبق أن بينا أن كلام الله تعالى ليس مخلوقا و لا أزليا. و لا يصح أيضا زعم المعتزلة بأن الذِكر المخلوق الوارد في الحديث هو القرآن الكريم، لأن الذِكر الوارد في الحديث ليس المقصود به القرآن الكريم، و إنما (( هو اللوح المحفوظ، الذي فيه ذكر كل شيء، ألا ترى أن في لفظ الحديث الذي احتجوا به قال: فكتب فيه كل شيء. أفتراه كتب في كلامه كل شيء وقد بين الله ذلك من كتابه، وذلك أن الذكر في كتاب الله على لفظ واحد بمعان مختلفة، فقال: {ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ} ص 1 - ،و يعني: ذا الشرف، وقال: {لَقَدْ أَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ كِتَابًا فِيهِ ذِكْرُكُمْ} الأنبياء 10 - ، يعني: شرفكم. وقال: {بَلْ أَتَيْنَاهُم بِذِكْرِهِمْ} المؤمنون 71 - ، يعني: بخبرهم. و {وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ} الزخرف 44 - ، يقول: وإنه لشرف لك ولقومك. وقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِي لِلصَّلَاةِ مِن يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} الجمعة 9 - يعني: الصلاة. وقال: {وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أ} الأنبياء 105 - ، يعني: في اللوح المحفوظ، لا يجوز أن يكون الذكر هاهنا القرآن، لأنه قال في الزبور:(من بعد الذكر) ، والزبور قبل القرآن، والذكر أيضا هو القرآن في غير هذه الآيات كما أعلمتك، إلا أن الحرف يأتي بلفظ واحد، ومعناه شتى )) [1] .
و كذلك القول المأثور عن عبد الله بن مسعود- رضي الله عنه-، فمعناه واضح لمن تدبره. فالخلق لم يقع على آية الكرسي، و إنما على السموات و الأرض، فهي مع عظمتها ليست أعظم من آية الكرسي، التي هي من كلام الله لا من مخلوقاته. فالمقارنة كانت من جهة العظمة و المكانة، و ليست من جهة الخلق. و في هذا يقول الحافظ ابن حجر العسقلاني: (( فإنه ليس فيه إثبات أن آية الكرسي مخلوقة، بل المراد أنها أعظم من المخلوقات وهو كما يقول من يصف امرأة كاملة الفضل حسنة الخلق: ما في الناس رجل يشبهها، يريد تفضيلها على الرجال لا أنها رجل ) ) [2] .
(1) نفسه، رقم الحديث: 2389 ج 5 ص: 476.
(2) ابن حجر: فتح الباري، ط 2، دار المعرفة، بيروت، ج 10 ص: 174.