فهرس الكتاب
و بصفة عامة فإن الرجل أورد حديثا مركبا اعتمد عليه في قوله بخلق القرآن الكريم انتصارا لمذهبيته، من دون يذكر له سندا، و لا حققه متنا و لا إسنادا، و لا اجتهد في تحقيقه، ولا قارنه بالروايات المخالفة له. و هذا تصرف غير علمي و لا شرعي، لأن الحديث تناول أمرا هاما و خطيرا يتعلق بطبيعة بكلام الله، و لأنه منسوب إلى النبي -عليه الصلاة و السلام-. فكان يجب عليه أن لا يكون سلبيا انتهازيا، و إنما يسعى للتحقق من صحة الحديث قدر استطاعته إسنادا و متنا، إما أن يُحققه بنفسه، و إما أن يستعين بأهل العلم من نُقاد الحديث، إن لم يكن قادرا على التحقيق. و هذا ليس عيبا، و إنما العيب فيما وقع فيه الرجل من أخطاء و عدم مبالاة.
و رابعا إن قولهم بأن الله تعالى خلق كلامه في الشجرة عندما كلّم موسى- عليه السلام- فهو زعم باطل، و قول بلا علم، و افتراء على الشرع و العقل معا. لأن الثابت شرعا أن الله تعالى هو الذي كلّم نبيه موسى بنفسه، و لم يخلق كلامه في الشجرة، و ليست هي التي تكلمت، و إنما كلام الله كان يخرج من جهتها، عندما نادى الله نبيه. قال سبحانه: ( {فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِي مِن شَاطِئِ الْوَادِي الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَن يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} القصص:30 - ، و {وَكَلَّمَ اللّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا} النساء:164 - ،و {وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} الشعراء:10 - ،و (هَلْ أتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى - سورة النازعات: 15 - 16 - ، و (إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِي يَا مُوسَى إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي -سورة طه: 10 - 14 - .
و أخيرا- خامسا- إن التساؤولات و الشبهات التي أثارها المحسن الجشمي في حواره مع خصمه، و انتصاره لمذهبه، هي اعترتضات رد بها على القائلين بأن القرآن كلام الله قديم، فكانت صحيحة في نتيجتها بأن كلام الله ليس قديما؛ لكنها لا تعني أن موقف المعتزلة صحيح في قولهم بخلق القرآن. و إنما الحقيقة هي أنه سبق أن بينا أن الصواب ليس مع المعتزلة، و لا مع مخالفيهم القائلين بقدم كلام الله. و السؤال الذي بدأ به الحديث ناقص و لا تصح منه أية حالة من الحالات التي طرحها. لأن القرآن