فهرس الكتاب

الصفحة 42 من 218

الكريم، لا هو غير الله، و لا هو الله، و لا هو بعضه، و إنما هو من كلام الله، منه بدأ و إليه يعود، و لا هو بمخلوق، و لا بقديم. و الرجل نسي أو تناسى أن الكلام صفة أزلية في حق الله تعالى، و أن التكلم هو فعل مرتبط بمشيئة الله تعالى يتكلم متى شاء و كيفما شاء، و بما يشاء. فهو سبحانه يفعل ما يشاء و يختار، و على كل شيء قدير.

و إنهاءً لموضوع قول المعتزلة بخلق القرآن أُشير هنا إلى قولهم هذا يتضمن تناقضا واضحا مع موقفهم بنفي الصفات. فبما أنهم نفوا الصفات كما سبق أن بيناه، فلا يُمكن أن يكون الله مُتصف بصفة الكلام، و هذا يستلزم أن القرآن ليس كلامه، و لا يصح وصفه بأنه كلام الله!!. فهم يُغالطون و يدلسون و يُحرفون عندما قالوا: القرآن كلام الله مخلوق. فإما أن يكون كلامه حقيقة، فهذا يستلزم اتصاف الله تعالى بصفة الكلام، و هذا مُخالف لموقفهم النافي للصفات الإلهية. و إما أن لا يكون كلامه و إنما هو من مخلوقاته كما يزعمون، و هنا لا يصح وصفه بأنه كلام الله؛ لأن المخلوقات ليست من كلام الله، و إنما هي من مفعولاته. كما أن وصفهم له بأنه كلام الله يتنافى مع وصفه بأنه مخلوق، لأن الكلام ليس هو المخلوق، و لا المخلوق هو الكلام كما سبق أن بيناه.

و النموذج الثاني خاص بصفة الرؤية، و مضمونه أن المعتزلة أجمعت على أن الله تعالى لا يُرى بالأبصار [1] . و قال المُحسن الجشمي المعتزلي: (( الذي يقوله مشايخنا - رحمهم الله - أنه تعالى ليس بمرئيٍّ في ذاته ) ) [2] . و قال الزمخشري: إن الله تعالى (لا يُدرك بحاسة من الحواس، وليس بمرئي في نفسه [3] . و إن (( قلت: ما الدليل على أنه لا يدرك بحاسة وأنه ليس بمرئي؟ قلت: لأن ما ليس بجسم ولا عرض يستحيل إدراكه بشيء من الحواس، وإذا استحال ذلك استحالت رؤيته؛ ولأن الأشياء على ضربين: مرئيٌ كالجسم واللون، وغير مرئي كالصوت، فالمرئي تنتفي رؤيته بأحد شيئين: إما بآفة في البصر، وإما بوجود مانع من الرؤية، فلما لم نر الله مع سلامة الأبصار وارتفاع الموانع علم أنه ليس بمرئي. والموانع من الرؤية: الحجاب، والرقة، والصغر، والقرب، والبعد، وخلاف المقابلة؛ ولأن المقابلة شرط في الإدراك بالبصر لأنه لا يدرك إلا

(1) أبو الحسن الأشعري: مقالات الإسلاميين، حققه محي الدين عبد الحميد، المكتبة العصرية، صيدا، بيروت، ج 1 ص: 235، 236، 238.

(2) المحسن بن كرامة الجشمي: تحكيم العقول في تصحيح الأصول، ص: 79.

(3) الزمخشري: المنهاج في أصول الدين، ص: 8.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت