الصفحة 24 من 33

انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا .. ) (آل عمران 144) , ولا ريب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم , قد مات ميتةً جسديةً فارقت روحه جسده فيها , وقاه أهله وأصحابه بما يقومون به في غيره من شئون الموتى , سوى أنه عليه الصلاة والسلام لم يجرد عند تغسيله , والمعروف أن لم يُصل عليه جماعة , إنما كان الناس يصلون عليه أفرادًا , لأنه الإمام عليه الصلاة والسلام.

ومن زعم أنه جيُّ في قبره حياةً جسديةً لا حياةً برزخيةً وأنه يصلي ويصومُ ويحجُ وأنه يعلمُ ما تقوله الأمةُ وتفعله فإنه قد قال قولًا بلا علمٍ [1]

فالرسول عليه الصلاة والسلام انقطع عمله بموته , كما قال هو نفسه (إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث , صدقة جارية , أو علم ينتفع به , أو ولد صالح يدعو له) [2]

فعمله الذي يعمله بنفسه انقطع بموته , ولكن لا شك أن كل علم علمناه من شريعة الله فإنه بواسطته عليه الصلاة والسلام , وحينئذ فيكون منتفعًا من كل هذه العلوم التي علمناها بعد موته صلى الله عليه وسلم , وكذلك الأعمال الصالحة التي نعلمها كانت بدلالته صلى الله عليه وسلم فيكون له مثل أجر العاملين.

(1) - وكَذَبَ في قوله , لأن الله تعالى (إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ) (الزمر 30) , وقال (وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ) الأنبياء 34) إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أن الله تعالى توفى نبيه صلى الله عليه وسلم , ولإجماع الصحابة وغيرهم على أنه صلى الله عليه وسلم قد مات , فقد غسلوه وصلوا عليه ودفنوه , وجاءت فاطمة بنت رسول الله تطلب إرثها من أبيها صلى الله عليه وسلم لاعتقادها موته , ولم يخالفها في ذلك أحد من الصحابة رضي الله عنهم , وقد أجابها أبوبكر رضي الله عنه بأن الأنبياء لا يورثون , ولأن الصحابة رضي الله عنهم قد اجتمعوا لاختيار خليفة للمسلمين يخلفه , وتم ذلك بعقد الخلافة لأنبي رضي الله عنه , ولو كان صلى الله عليه وسلم حيا في دنياه , لما فعلوا ذلك , فهو إجماع منهم على موته وأن حياته حياةٌ برزخيةٌ وسطٌ بين حياته في الدنيا وحياته في الآخرة. وأيضًا وقعت الفتن والمشكلات وكثرت في عهد عثمان وعلي رضي الله عنهما وقبل ذلك وبعد , فلم يذهبوا إلى قبره لاستشارته أو سؤاله في المخرج ممن تلك الفتن والمشكلات وطريقة حلها , ولو كان حيًا كحياته في دنياه لما أهموا ذلك , وهم في ضرورة إلى من ينقذهم مما أحاط بهم من البلاء.

فالصواب هو ما عليه أهل السنة والجماعة من أنه صلى الله عليه وسلم حي فيقبره حياة برزخية تصحح له التنعم في قبره بما أعده الله له من النعيم , جزاءً وفاقًا بما كسب في دنياه , ولم تعد إليه روحه ليعيش حيًا كما كان في دنياه , ولم تتصل به وهو فيقبره اتصالًا يجعله حيًا كحياته يوم القيامة , بل هي حياة برزخية وسط بين حياته في الدنيا وحياته في الآخرة. انظر (فتاوى إسلامية 1/ 132 - 133 جمع المسند)

(2) - رواه مسلم في الصحيح (كتاب الوصية , باب ما يلحق الإنسان من الثواب بعد وفاته رقم 1631) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت