أئمة هذه الشريعة الإسلامية ولله الحمد أئمةٌ مشهورون أثُنتْ عليهم الأمّةُ وعرفت لهم قَدْرَهُمْ، ولكنها لا تعتقد فيهم العصمة، فليس عند أهل السنة والجماعة أحدٌ معصومٌ من الخطأ ولا من الإقرار على الخطأ إلا الرسول عليه الصلاة والسلام؛ فإنه معصومٌ من الإقرار على الخطأ , أما غيره مهما بلغت إمامته فإنه ليس معصومًا أبدًا، كل يخطئ وكل يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي أمرنا الله تعالى بطاعته على الإطلاق.
فهم يقولون: لا شك أن في هذه الأمة أئمة، ولا شك أن فيها أولياء، ولكننا لا نريد بذلك أن نثبت العصمة لأحد من هؤلاء الأئمة، ولا أن نُثبت لأحد من الأولياء أنه يعلم الغيب أو يتصرف في الكون، وهم أيضًا لا يجعلون الولي من قال عن نفسه أنه ولي، أو أتى بالدعايات الباطلة لأجل أن يجِلب الناس إليه، يقولون: إن الولي بيَّنَه الله تعالى بقوله (ألآ إن أوليآء اللهِ لا خوفٌ عليهم ولا هُم يحزنون الذين ءامنوا وكانوا يتقون) (يونس 62 - 63) هؤلاء الأولياء: الذين آمنوا وكانوا يتقون. فالإيمان: العقيدة , والتقوى: العمل قولًا كان أو فعلًا. وأخذ شيخ الإسلام من هذه الآية عبارة طيبة وهي قوله (من كان مؤمنًا تقيًّا كان لله وليًّا) [1] هذا الوليُّ حقيقة، لا الولي الذي يجلبُ الناسَ إليه، ويجمع الحاشية ويقول: أنا أفعل، ويستعين بالشياطين على معرفة الخفي، ثم يبهر الناسَ بما يقول، فيقولون: هذا ولي لا؛ لأن الولاية تكون باتّباع الرسول علية الصلاة والسلام، وبإيمانه وتقواه. فإن كان مؤمنًا تقيًا فهو ولي.
ولكن هؤلاء الأولياء أيضًا لا يلزم في كل ولي أن يجعل لله له كرامة! فما أكثر الأولياء الذين لا كرامة لهم؛ لأن الكرامة في الغالب لا تأتي إلا لنصر حق أو دفع باطل، لا لتثبيت شخص بعينه، فلا يلزم -إذن- أن يكون لكل ولي كرامةٌ. قد يَحْيَى الوليُّ ويموتُ وليس له كرامةٌ، وقد يكون له كراماتٌ متعددة [2] ، وهذه الكراماتُ قال أهل العلم: كل كرامة لولي فإنها آية للنبي الذي اتبعه.
(1) - انظر مجموع الفتاوى 11/ 190 له رحمه الله , وتفسير العلامة السعدي رحمه الله ص 352 , 587.
(2) - وعلى كل حال , فينبغي على العبد أن يكون طالبًا للاستقامة , لا طالبًا للكرامة , كما قال أبو علي الجوزجاني. ولا يتطلع إلى ما أتاه الله غيره من الكرامات وخوارق العادات , فينكسر قلبه , ويتهم نفسه في صحة عمله , وتضعف عبادته , فإن ما يبتلي الله به عبده من السر بخرق العادة أو بغيرها أو بالضراء فليس ذلك لأجل كرامة العبد على ربه ولا هوانة عليه , بل قد سعد بها قوم إذا أطاعوه , وشقي بها قوم إذا عصوه , كما قال تعالى (فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ * وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ * كَلَّا بَل لَا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ) (الفجر 15 - 17) , فمن لم ينكشف له شيء من المغيبات , ولم يسخر له شيء من الكونيات , لاينقص ذلك من مرتبته عند الله , بل قد يكون أنفع له.
فعلى العبد أن يكون طالبًا للاستقامة , لا طالبًا للكرامة وليكن - ما استطاع - مؤمنًا تقيًا ' فهذا هو ميزان الولاية , لا خرق العادات وحصول الكرامات والله الموفق. وانظر شرح العقيدة الطحاوية ص 559 - 562.