لقد نثر طول الأمل رداءه على البعض فأصبح الكثير من الناس يقترف المحرمات، ويتهاون في الطاعات وأمسى التسويف حاجزًا لهم عن التوبة، والفرح بهذه الدنيا منسيًا لما أمامهم من الأهوال والعقبات. فلم يطرق الخوف قلوبهم، ولم يلازم الوجل نفوسهم. فانهمكوا في الفرح والترح، وكأنهم مخلدون في هذه الدنيا .. تجاهلوا سيرة من كانوا قبلهم في تذكر الموت والخوف مما بعد الموت .. فقد كان يقرأ على بعض السلف ما يلين القلوب ويحيي النفوس .. يشحذ الهمم، ويقوي العزائم ويزيل ران الغفلة والسفه .. فهذا ابن المبارك إذا قرئ عليه كتاب الزهد كأنه ثور قد ذبح؛ لا يقدر أن يتكلم [1] .
والخوف أخي الحبيب! عبارة عن تألم القلب واحتراقه بسبب توقع مكروه في المستقبل.
ومن توقع مكروهًا في المستقبل سعى إلى الاستعداد له، والمثابرة على اجتيازه.
وقد جمع الله للخائف منه فضلًا عظيمًا، فقال تعالى: {وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ} [2] .
قال القرطبي: المعنى خاف مقامه بين يدي ربه للحساب،
(1) تذكرة الحفاظ: 1/ 278.
(2) سورة الرحمن، آية: 46.