جريت مع العشاق في حلبة الهوى ... ففقتهم سبقًا وجئت على رسلي
تسربلت ثوب الحب مذ أنا يافع ... ومتعت منه بالصدود وبالوصل
ولا شربوا كأسا من الحب مرة ... ولا خلعوا إلا الثياب التي أبلي
فما لبس العشاق من حلل الهوى ... ولا حلوة إلا شرابهم فضلي
قال عباس بن الأحنف:
قالوا: تنام، فقلت الشوق يمنعني ... من أن أنام وعيني حشوها السهد
لأخرجن من الدنيا وحبهم ... حتى إذا أيقظوني للهوى رقدوا
هم قد دعوني فلما قمت مقتضيا ... للحب نحوهم من قربهم بعدوا
أبكي الذين أذاقوني مودتهم ... بين الجوانح لم يشعر به أحد
قال أحدهم:
مالت تودعني والقلب يغلبها ... كما يميل نسيم الريح بالغصن
ثم استمرت وقالت وهي باكية ... يا ليت معرفتي إياك لم تكن
قال أعرابي:
أحبك حبا لو بليت ببعضه ... أصابك من وجد علي جنون
لطيف مع الأحشاء أما نهاره ... فسبت وأما ليله فأنين
قالت أعرابية: مسكين العاشق، كل شيء عدوه: هبوب الريح يقلقه، ولمعان البرق يؤرقه، ورسوم الدار تحرقه، والعذل يؤلمه، والتذكر يسقمه، والبعد ينحله، والقرب يهيجه، والليل يضاعف بلاه، والرقاد يهرب منه، ولقد تداويت بالقرب والبعد فلم ينجح فيه دواء، ولا عزى فيه عزاء، ولقد أحسن الذي يقول:
وقد زعموا أن المحب إذا دنا ... يمل وأن النأي يشفي من الوجد
بكل تداوينا فلم يشف مابنا ... على أن قرب الدار خير من البعد
حدث أبو عمروا بن العلاء قال: حدثني رجل من تميم قال: خرجت في طلب ضالة لي، فينما أنا أدور في أرض بني عذرة إذا ببيت منعزل عن البيوت وفي كسره شاب مغمى عليه، وعند رأسه عجوز، بها بقية جمال، ساهية تنظر إليه. فسلمت عليها فردت السلام، فسألتها عن ضالتي فلم تعلم بها. فقلت: من هذا الفتى؟ فقالت: ابني، فهل لك في أجر