فهرس الكتاب

الصفحة 56 من 121

لا مؤونة فيه فقلت: والله، إني أحب الأجر وإن رزئت. فقالت: إن ابني هذا يهوى ابنة عم له علقها وهما صغيران. فلما كبرت خطبها غيره، فأخذه شبيه الجنون، فخطبها إلى أبيها فمنعه وزوجها غيره، فنحل جسمه واصفر لونه وذهب عقله. فلما كان مذ خمس زفت إلى زوجها، فهو كما ترى مغمى عليه، لا يأكل ولا يشرب، فلو نزلت إليه فوعظته؟

قال: فنزلت إليه فلم أدع موعظة إلا وعظته بها، حتى قلت له: إنهن الغواني صاحبات يوسف، الناقضات العهد، وقد قال فيهن كثير:

هل وصل عزة إلا وصل غانية ... في وصل غانية من وصلها خلف

قال: فرفع رأسه محمرة عيناه كالمغضب وهو يقول: لست ككثير، إن كثيرا رجل مائق، وأنا وامق، ولكني كأخي تميم حيث يقول:

ألا لا يضر الحب من كان صابرا ... ولكن ما اجتاب الفؤاد يضير

ألا قاتل الله الهوى كيف قادني ... كما قيد مغلول اليدين أسر

فقلت له: إنه قد جاء عن نبينا صلى الله عليه وسلم أنه قال: من أصيب منكم مصيبة فليذكر مصابه بي، فأنشأ يقول:

ألا ما للمليحة لم تعدني ... أبخل بالمليحة أم صدود؟

مرضت فعادني أهلي جميعا ... فمالك لم تري فيمن يعود؟

ولو كنت المريض كنت أسعى ... وفقد الإلف يا أملي شديد

وما استبطأت غيرك فاعلميه ... وحولي، من ذوي رحمي، عديد

فقدتك بينهم، فبكيت شوقا ... إليك وما يهددني الوعيد

ثم شهق شهقة وخفت خفتة، فداخلني أمر ما داخلني مثله قط، والعجوز تبكي.

فلما رأت ما حل بي قالت: يا فتى، لا ترع، مات، والله ولدي بأجله واستراح من تباريحه وغصصه، فهل لك في استكمال الصنيعة؟

قلت: قولي ما أحببت. قالت: تأتي البيوت فتنعاه إليهم ليعاونوني على رمسه، فإني وحيدة. فركبت فرسي وأتيت البيوت رافعا صوتي بنعيه، فلم ألبث أن خرجت لي جارية من أجمل ما رأيت من النساء، ناشرة شعرها، حديثة عهد بعرس، تقول: بفيك الحجر المصمت، من تنعي؟ قلت: أنعي فلانا. قالت: أوقد مات؟ قلت: إي، والله، قد مات. قالت: فهل سمعت له قولا؟ قلت: اللهم شعرا. قالت: وما هو؟ فأنشدتها أبياته، فاستعبرت وأنشأت تقول:

عدا بي أن أزورك يا مرادي ... معاشر كلهم واش حسود

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت