فهرس الكتاب

الصفحة 57 من 121

أشاعوا ما علمت من الدواهي ... وعابونا وما فيهم رشيد

فلا طابت لي الدنيا فراقا ... وكل الناس دورهم لحود

فأما إذا ثويت اليوم لحدا ... ولا لهم ولا أثري العديد

ثم شهقت شهقة فوقعت مغشيا عليها، وخرجت النساء من البيوت، فاضطربت ساعة وماتت. فوالله ما برحت حتى دفنتهما جميعا.

قيل: لما ألح ذريح على ابنه قيس في طلاق لبنى فأبى ذلك قيس، طرح ذريح نفسه في الرمضاء وقال: لا، والله، لا أريم هذا الموضع حتى أموت أو يخليها. فجاءه قومه من كل ناحية، فعظموا عليه الأمر وذكروه بالله وقالوا: أتفعل هذا بأبيك وأمك! إن مات شيخك على هذه الحال كنت معينا عليه شريكا في قتله. ففارق لبنى على رغم أنفه وقلة صبره وبكاء منه حتى بكى لهما من حضرهما، وأنشأ يقول:

أقول لخلتي في غير جرم ... ألا بيني بنفسك أنت بيني

فوالله العظيم لنزع نفسي ... وقطع الرجل مني واليمين

أحب إلي يا لبنى فراقا ... فبكي للفراق وأسعديني

ظلمتك بالطلاق بغير جُرم ... فقد أذهبت آخرتي وديني

فلما سمعت بذلك لُبنى بكت بكاء شديدًا، وأنشأت تقول:

رحلت إليه من بلدي وأهلي ... فجازاني جزاء الخائنينا

فمن رآني فلا يغتر بعدي ... بحلو القول أو يبلو الدفينا

فلما انقضت عدتها وأرادت الشخوص إلى أهلها أُتيت براحلة لِتُحْمَل عليها، فلما رأى ذلك قيس داخَلَه منه أمر عظيم واشتد لَهَفه وقال في ذلك شعرًا مؤثرًا.

ثم ارتحك لبنى، فجعل قيس يقبل موضع رجليها من الأرض وحول خبائها. فلما رأى ذلك قومه أقبلوا على أبيه بالعذل واللوم، فقال ذريح لما رأى حاله تلك: قد جنيت عليك يا بني. فقال له قيس: قد كنت أخبرك أني مجنون بها فلم ترض إلا بقتلي، فالله حسبك وحسب أمي.

وأقبل قومه يعذلونه في تقبيله التراب، فأنشأ يقول:

فما حبي لطيب تراب أرض ... ولكن حب من وطئ الترابا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت