وقال أعرابي: إن الصبر على الهوى أشد من الصبر على البلاء، كما أن الصبر على المحبوب أشد من الصبر على المكروه.
وليم بعض الحكماء على الهوى، فقال: لو كان لذي هوى اختيار لاختار أن لا هوى، وأنشد لمجنون ليلى:
أصلي فلا أدري إذا ما ذكرتها ... أثنتين صليت الضحى أم ثمانيا
فرق الدهر بينهما فاجتمعا في قبر واحد
حكي جميل بن معمر العذري: أنه دخل على عبد الملك بن مروان، فقال له: يا جميل حدثني ببعض أحاديث بني عذرة. فإنه بلغني أنهم أصحاب أدب وغزل. قال: نعم يا أمير المؤمنين، أعلمك أن آل بثينة انتجعوا عن حيهم، فوجدوا النجعة بموضع نازح فظعنوا، فخرجت أريدهم، فبينما أنا أسير إذ غلطت الطريق وأجنني الليل فلاحت لي نار، فقصدتها حتى وردت على راع في أصل جبل قد انحنى عنه إلى كهف فيه، فسلمت، فرد علي السلام، وقال: أظنك قد غلطت الطريق؟ قلت: أجل. فقال: انزل وبت الليلة، فإذا أصبحت وقفت على القصد .. فنزلت فرحب بي، وأكرمني، وذبح شاة، وأجج ناره، وجعل يشوي ويلقي بين يدي، ويحدثني في خلال ذلك. ثم قام بإزار كان معه فوضع به جانب الخبا ومهد لي محلا خاليا فنمت.
فلما كان في الليل سمعته يبكي إلى شخص كان معه، فأرقت له ليلتي. فلما أصبحت طلبت الإذن فأبى، وقال: الضيافة ثلاث. فجلست وسألته عن اسمه ونسبه وحاله، فانتسب فإذا هو من بني عذرة، من أشرفهم. فقلت: وما الذي جاء بك إلى هنا؟ فأخبرني أنه كان يهوي ابنة عم له، وأنه خطبها من أبيها فأبى أن يزوجه إياها لقلة ذات يده، وأنه تزوجها رجل من بني كلاب وخرج بها عن الحي، وأسكنها في موضعه. وأنه رضي أن يكون لزوجها راعيًا حتى تأتيه ابنة عمه فيراها. وأقبل يشكو قديم عشقه لها، وصبابته بها حتى أتى المساء، وحان وقت مجيئها. فجعل يتقلقل ويقوم ويقعد، ثم وثب قائما على قدميه وأنشأ يقول:
ما بال مية لا تأتي كعادتها ... أعاجها طرب أو صدها شغل
لكن قلبي عنكم ليس يشغله ... حتى الممات وما لي غيركم أمل
لو تعلمين الذي بي من فراقكم ... لما اعتذرت وقد طابت لك العلل
لو أن ما بي من سقم على جبل ... تكاد من حره الأعضاء تنفصل
نفسي فداؤك قد أحللت بي سقما ... لزال وانهد من أركانه الجبل
ثم قال لي: اجلس، يا أخا بني عذرة، حتى أكشف خبر ابنة عمي. ثم مضى فغاب عن بصري، فلم ألبث أن أقبل وعلى يديه محمول، وقد علا شهيقه ونحيبه، فقال: يا أخي هذه ابنة عمي أرادت زيارتي فاعترضها الأسد فأكلها. ثم وضعها بين يدي، وقال: على رسلك، حتى أعود إليك. فغاب عن نظري فأبطأ، حتى آيست من رجوعه، فلم ألبث أن أقبل ورأس