الصفحة 20 من 26

فمن باع أحد عشر درهمًا مثلًا بعشرة دراهم ودينار، جاز، بأن تكون العشرة بمثلها والدينار بالدرهم، فلا يتحقق الربا [1] .

نوقش هذا الاستدلال من وجهين:

الأول: أن الواجب حمل العقد على ما يقتضيه من صحة وفساد، وليس تصحيح العقد، ولو كان ما قالوه أصلًا معتبرًا لكان بيع مد تمر بمدين جائزًا ليكون تمر كل واحد منهما بنوى لآخر [2] .

الثاني: أن هذا منتقض (( بمن باع سلعة إلى أجل ثم اشتراها نقدًا بأقل من الثمن الأول فإنه لا يجوز عند الأحناف مع إمكان حمله على الصحة، وهما عقدان يجوز كل واحد منهما على الإفراد، فجعلوا العقد الواحد هاهنا عقدين ليحملوه على الصحة فكان هذا إفسادًا لقولهم ) ) [3] .

الدليل الثاني:

أن الربا إنما حرم لما فيه من ظلم يضر المعطي، وقد يكون في هذه المعاوضة مصلحة للعاقدين هما محتاجان إليها، كما في الدراهم الخالصة بالمغشوشة، والمنع من ذلك مضرة عليهما، والشارع لا ينهى عن المصالح الراجحة، ويوجب المضرة المرجوحة، كما قد عرف ذلك من أصول الشرع [4] .

الترجيح:

باستعراض الأقوال المتقدمة وأدلتها نجد أن الفريق الثالث يستند إلى البراءة الأصلية بينما استدل الفريقان الأول والثاني على المنع بأدلة لا تخلو من مناقشة:

فحديث فضالة بن عبيد - وهو عمدة المانعين - لا يسلم الاستدلال به للاحتمالات الواردة عليه، وهي احتمالات قوية، والقاعدة أن الدليل إذا طرأ عليه الاحتمال، وكان الاحتمال قويًا، بطل به الاستدلال.

وأجوبة الفريق الأول عن هذه الاحتمالات غير وجيهة لأن الثابت في صحيح مسلم أن الذهب الذي في القلادة أكثر من الثمن.

وأما الدليل العقلي فقد أجيب عنه.

(1) بدائع الصنائع 7/ 78، فتح القدير 6/ 267.

(2) المغني 6/ 94، الحاوي الكبير 6/ 135.

(3) الحاوي الكبير 6/ 135.

(4) مجموع فتاوى ابن تيميه 29/ 455.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت