فهرس الكتاب
هذا الحديثُ وإن لم يُذكَر فيهِ النبي - صلى الله عليه وسلم - إلَا أن الصحابي إذا قالَ: (وُقتَ لَنا) انْصَرَفَ إلى مَن لَهُ حَق التَوقيتِ لَهُم، وقَد كانَ النبي - صلى الله عليه وسلم - على أن مِنَ الرواةِ مَن سَمَى فاعِلَ التوقيتِ فقالَ: وَقتَ لَنا رَسُولُ اللهَ - صلى الله عليه وسلم -.
والدَلالةُ في هذا الحَديثِ مِن وَجْهَيْنِ:
الوجه الأول: قولُه: (قَص الشَارِبِ) ، وسَبَقَ أن القَص غيرُ الحَلْقِ، فيهِ إبقاء لبعض الشعر، لا يُستَأصَلُ كُلُّهُ.
والوَجه الثاني: التوقيتُ بأربعين ليلة إذْن في إبقاءِ الشارِبِ يَنمو تلكَ المدْةَ، وهذا دَليلَ على أن الحَلقَ غيرُ مُرادِ في الأمرِ النبويٌ في تلكَ الأحاديثِ، لأْنه يجوزُ أن يأتيَ عليهِ أربعونَ ليلةَ لا يُقْطَعُ منهُ شيء، ولو أريدُ الحَلقُ فالأصل امتِثالُ الأمرِ كُلما وُجِدَ مِنَ الشَارِبِ ما يُحلَقُ، فلا يكونُ للتوقيتِ بالأربعينَ حينئذٍ معنَى.
المرجحُ الثالث: الفِعلُ النبوي.
فَقَد جاءَت الرواية مِن فعل رَسُولِ اللّهِ - صلى الله عليه وسلم - بشارِبِ نَفْسِهِ بلَفْظِ الإحفاءِ.
فعَن عُبَيدِ بنِ جُرَيْجِ أنهُ قالَ لابنِ عُمَرَ: رأيتُكَ تُحفي شارِبَكَ، قال: رأيتُ النبي - صلى الله عليه وسلم - يُحفي شارِبَهُ.
فهذا يعودُ إلى معنى غيرِ صَريحٍ كما تقدم، لكن يفْهم المرادُ به مِن جِهَتَينِ:
الأولى: ما صَنَعَهُ النبي - صلى الله عليه وسلم - بشارِبِ غيرِهِ مِن أصحابهِ، الرواية مِن حَديثِ المُغيرَةِ بنِ شُعبَةَ، - رضي الله عنه -، قالَ:
ضِفتُ النبي - صلى الله عليه وسلم - ذاتَ لَيلَةٍ، فأمَرَ بجنب فشُوِيَ، وأخَذَ الشفرَةَ فَجَعَلَ يَجُز لي بِها متهُ، قالَ: فجاءَ بِلال فآذَنَهُ بالصَلاةِ، قالَ: فألقى الشفرَةَ وقالَ:"ما لَه ُ؟ تَرِبَت يَداهُ!"، وقامَ يُصَلًي، وكانَ شارِبي وَفَى، فَقَصهُ لي على سِواكِ، أو قالَ:"أقصهُ لكَ على سِواي".