فإذا لم تكن بنفسها لا ذهبًا ولا فضَّةً كيف تدخلُ في مثل قوله - صلى الله عليه وسلم: (الذهب بالذهب مثلًا بمثل وزنًا بوزن والفضَّة بالفضَّة مثلًا بمثل وزنًا بوزن .... الخ) الحديث وما في معناه؟، فكونُها غير ذهب ولا فضَّة لا بأس بيع بعضها ببعض متماثلًا ومتفاضلًا، ولا بأس بالتحويل فيها أو عليها، ونهاية الأمر أن تكون بِمنزلة الفلوس المعدنيَّة التي لا يجري فيها ربا الفضل على الصحيح، هذا نهاية الأمر، وإنَّما الممنوع فيها أن يعامل فيها معاملة نسيئة إلى أجل، بأن يبيعَهُ عشرَ أوراقٍ باثني عشر مثلًا إلى مدَّةِ سنة أو نحوها.
(جـ) ومنها أنَّ من مآخذ جواز بيع الأنواط أنَّ الذين أجرَوها مجرى الذهب والفضة فإنَّما ذلك بالقياس منهم، وهو قياسٌ مختلٌّ لم تتمَّ شروطه، فإن قالوا أنَّها تجري مجرَى ما وضعت عليه من نوط ربيَّة أو نوط دينار أو جنيه، ويعبَّر عنها بالرُبية والدينار والجنيه، هذا معتمد من منع التعامل بها إلاَّ متماثلة، ووجه اختلال هذا القياس: أنَّ القياسَ شرطَه: مساواةُ فرعٍ لأصله من كلِّ وجهٍ، وهذا مفقودٌ في هذا القياس، فإنَّ جوهر الذهب والفضَّة غير جوهر النوط، وهذا أمرٌ مشاهَدٌ محسوس، وكونه يقوم مقام الذهب والفضَّة في أثمان البياعات وقِيم المتلفات لا يوجِبُ أن يكون مثله، فإنَّه لو قام العَروض الآخر مقام الذهب والفضَّة لم يثبت لها أحكامها من جهة الربا.
ويوضِّحُ ذلك أنَّها أيضًا لا يُتصوَّر فيها الوزن، والنبي صلى الله عليه وسلَّم جعل الذهب والفضة موزونين، واعتبر تساويَهما في معيارهما الشرعي الذي هو الوزن، فأين القياس المساوي، وأيضًا الذهب والفضة يجري فيهما الربا، سواء كانت نقودًا مضروبة أو حُلِيًّا مصنوعًا أو تبرًا لا مضروبًا ولا مصنوعًا، والأنواطُ معروفٌ أنها لا تقوم مقام الذهب والفضة إلاَّ إذا كانت على وجهٍ واحد بأن تكون مضروبةً فقط، مع أنَّه لولا كفالات الدول القويَّة