[الكاتب: عبد الرزاق الشايجي]
مقدمة الطبعة الثانية:
إن الحمد لله نحمده و نستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأِشهد أن محمد عبده ورسوله.
{يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون} .
{يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا} .
{يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما} .
وبعد. . .
فهذه هي الطبعة الثانية من الخطوط العريضة لاصول أدعياء السلفية، جمعنا فيها مجموعة أخرى من أصول هذه المجموعة التي ظهرت على المسلمين بالتبديع والتفسيق والتجريم، والتكفير، واستعملت كل ألفاظ التنفير والتحقير مع دعاة الإسلام خاصة، كوصفهم بالزندقة، والإلحاد، والخروج ... الخ.
وقصرت عملها الدعوي على حرب الدعاة إلى الله وتصنيفهم.
ومن نظر في أصولهم التي ابتدعوها أدرك يقينا أن هؤلاء هم الشرع والحكم، فكما وجد في الفرق الإسلامية معطلة الصفات وهم الجهمية، ومن نحا نحوهم ممن اخترعوا أصولا باطلة أدت بهم إلى تعطيل صفات الرب عز وجل، فقد جاءت هذه الطائفة الجديدة وباسم السلفية لتضع أصولا باطلة تفضي إلى تعطيل الحاكمية التي اختص الله بها {ولا يشرك في حكمه أحدا} فزعموا أن توحيد الحاكمية ليس من التوحيد، بل وليس هو من أصول الدين والإيمان، بل هو من الفروع، وتعطيل الشرع كله ما هو إلا كفر دون كفر، وكل من اعتنى بهذا الأصل فهو عندهم مبتدع يحمل فكر الخوارج، ولقبوه بكل وصف قبيح لمجرد مطالبته الأمة بالعودة إلى حكم الله ورسوله، وقد تفرع عن هذا الأصل الباطل عندهم وجوب ترك الحكام وشأنهم، وعدم التعرض لهم وإن صدر منهم ما صدر من الكفر البواح، وتمكين أعداء الإسلام ووجوب ترك الاشتغال بفقه الواقع وترك ما لله لله وما لقيصر لقيصر - كما صرح به أحد كبارهم - و هذه هي العلمانية بعينها، ومن ثم شنعوا على كل مجاهد في سبيل الله، وقدموا حربه على حرب أعداء الله فكانوا بذلك من دعاة التعطيل، وهم المعطلة للحاكمية والشرع كما كان الجهمية معطلة للصفات والأسماء ..
وقام مذهبهم على التعطيل: تعطيل الجهاد، وتعطيل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إلا بإذن الإمام - حسب زعمهم - وتعطيل الدعوة إلى الله، وتعطيل النظر في حال الأمة، وإشغالها بحرب الصالحين، وتتبع عوراتهم وزلاتهم، وتنفير الناس عنهم.
وقد نفدت الطبعة الأولى للكتاب في أسابيع قليلة، وصورت بأعداد هائلة ..
وللإلحاح في طلب نسخ الكتاب فإننا نقدم الطبعة الثانية مزيدة بأصول جديدة .. و الله نسأل عملنا هذا لوجهه خالصا، وأن يكون ردعا وقضاء على فتنة هذه الطائفة، وإزاحة لها عن وجه السلفية الحقة المهتدية بهدي القرآن الكريم، وسنة سيد المرسلين، وسيرة سلفنا الصالح الطيبين الطاهرين، والسائرة في ركب علماء الأمة العالمين المجاهدين ..
[د. عبدالرزاق بن خليفة الشايجي]
مقدمة الطبعة الاولى:
الحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى ..
أما بعد:
فهذه الخطوط العريضة لفكر جديد منتسب إلى السنة متلفع بمرط السلفية ظلما، ويتدثر برداء أهل السنة والجماعة زورا، يترتب عليه هدم كل عمل دعوي قائم، وإبطال فريضة الجهاد في سبيل الله، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وزيادة تمزيق وحدة الأمة الإسلامية.
وقد أردنا دراسة هذا الفكر وجمع أصوله، وقواعده دون الاهتمام بقائليه ومروجيه، فإن ما يهمنا هو التحذير من هذا الفكر القائم على السب والتشهير والتجريح بغير جرح حقيقي، والتبديع بغير مبدع، والتكفير دون ضوابط، والانشغال بالدعاة إلى الله سبًا وتجريحا ً، وتكفيرًا، وتبديعًا دون غيرهم من سائر الخلق، وتقديم حربهم على حرب الكفار والمنافقين والعلمانيين واليساريين.
ونستطيع أن نسمي أصحاب هذا الفكر بالجراحين .. فهذا شغلهم الشاغل، وهذا عملهم الدعوي الأساس الذي اتخذوه دينا يدينون الله به، ويفضلونه إلا بالرحمن .. فمتى كان السب والشتم دينا؟!
إن الواجب العمل على كشف عوار هذا الفكر ولتجنيب شباب الأمة الإسلامية عامة وشباب السلفية خاصة من الانزلاق والانحدار إليه، والله المستعان وعليه التكلان، وعلى الله قصد السبيل.
[د. عبدالرزاق بن خليفة الشايجي]
أولا: الأصل الأم الجامع لكل أصولهم:
الأصل الأول: خوارج مع الدعاة مرجئة مع الحكام، رافضة مع الجماعات، قدرية مع اليهود والنصارى والكفار ...
هذه المجموعة التي اتخذت التجريح دينا، وجمع مثالب الصالحين منهجا ... جمعوا شر ما عند الفرق.
فهم مع الدعاة إلى الله خوارج يكفرونهم بالخطأ ويخرجونهم من الإسلام بالمعصية، ويستحلون دمهم ويوجبون قتلهم وقتالهم.
وأما مع الحكام فهم مرجئة يكتفون منهم بإسلام اللسان ولا يلزمونهم بالعمل، فالعمل عندهم بالنسبة للحاكم خارج عن مسمى الإيمان.
وأما مع الجماعات فقد انتهجوا معهم نهج الرافضة مع الصحابة وأهل السنة، فإن الرافضة جمعوا ما ظنوه أخطاء وقع فيها الصحابة الكرام ورموهم جميعا بها، وجمعوا زلات علماء أهل السنة وسقطاتهم واتهموا الجميع بها.
وهم مع الكفار من اليهود والنصارى قدرية جبرية يرون أنه لا مفر من تسلطهم ولا حيلة للمسلمين في دفعهم، وأن كل حركة وجهاد لدفع الكفار عن صدر أمة الإسلام فمصيره الإخفاق، ولذلك فلا جهاد حتى يخرج الإمام!!
فوا عجبا كيف جمع هؤلاء بدع هذه الفرق؟!! كيف استطاعوا أن يكيلوا في كل قضية بكيلين، فالكيل الذي يكيلون به للحكام غير الكيل الذي يكيلون به لعلماء الإسلام!! فلا حول ولا قوة إلا بالله!!!
الأصل الثاني: أصولهم في التكفير والتبديع:
الأصل الثاني: كل من وقع في الكفر فهو كافر، وكل من وقع في البدع فهو مبتدع.
هذا أصلهم الثاني، تكفير المسلم إذا وقع في قول المكفر أو ما يظنونه مكفر دون نظرا في أن يكون قد قال هذا الكفر أو وقع منه خطأ أو تأولا أو جهلا أو إكراها.
وكل مسلم وقع في بدعة أو ما يتوهمونه بدعة، فهو مبتدع دون اعتبار أن يكون قائل البدعة أو فاعلها متأولا أو مجتهدا أو جاهلا.
وهم أحق الناس بوصف المبتدع باختراعهم هذا الأصل الذي هو من أصول أهل البدع وليس من اصول أهل السنة والجماعة.
الأصل الثالث: من لم يبدع مبتدع فهو مبتدع:
هذا الأصل الثالث من أصولهم الفاسدة، فإذا حكموا على رجل أنه مبتدع أو على جماعة دعوية أنها جماعة بدعة، ولم تأخذ برأيهم وحكمهم الفاسد فأنت: مبتدع، لأنك لم تبدع مبتدع.
فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. وهو أصل وقائي فإما أن تكون معنا أو تكون منهم.
وهم على شاكلة من قبلهم في التكفير الذين قالوا"من لم يكفر الكافر - عندهم - فهو كافر".
فإذا حكموا على رجل مسلم أنه كافر ولم توافقهم على ذلك فأنت كافر أيضا لأنك لم ترض باجتهادهم، فما أشبه هذا القول بقول الخوارج.
الأصل الرابع:
استدلالهم بمنهجهم الفاسد في التبديع والتفسيق والهجر والتحذير من المبتدعة بقولهم أن الله سبحانه ذكر أخطاء الأنبياء.
وهذا من عظائمهم ومصائبهم الكبيرة إذ ظن هؤلاء أن الله عندما يرشد نبينا إلى شيء خالف فيه الأولى توجيها له إلى الأمثل والأفضل، كقوله تعالى لنوح عليه السلامة: {إنه ليس من اهلك} [هود46] ، وقوله تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم: {عفا الله عنك لما أذنت لهم} [التوبة43] ، وقوله سبحانه وتعالى أيضا: {ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا} [الإسراء48] ، ونحو هذا في القرآن.
ظن هؤلاء الجهال أن هذا جار على أصلهم الفاسد الذي اخترعوه وابتدعوه وهو ذكر مثالب من سقطات الدعاة إلى الله من أجل التنفير وتحذير الناس منهم.
فأين القياس في هذا يا أهل العقول؟!! هل أصبح الأنبياء هم المبتدعة؟!! الذين يجب التحذير منهم!!! مع العلم أن هذا الأصل لا يجوز تطبيقه عليهم من خلال إظهار مثالب دعاتهم وشيوخهم فيجوز لهم ما لا يجوز لغيرهم ومن انتقدهم فقد انتقد السلف بأكملهم.
فهل أصبحوا في مقام الرب الذي يرشد الأنبياء؟!! وهل أراد الله سبحانه وتعالى بإرشاد أنبيائه- إلى بعض ما خالفوا فيه الأولى - تحذير الناس منهم كما يفعلون هم بالدعاة المهتدين؟!!.
وهل أراد الله من ذكر أخطاء الأنبياء - حسب قولهم - تنقيصهم، وتحقيرهم كما يفعلون هم بالدعاة إلى الله؟!! تعالى الله ما يقولون علوا كبيرا .. ولا حول ولا قوة إلا بالله العظيم.
إن الله جلت حكمته ما ذكر الذي أرشد فيه أنبياءه إلا بيانا لعلو منزلتهم، و أنهم بشر قد يجتهدون فيسدد الله اجتهادهم، ويخاطبهم الله سبحانه وتعالى وهو الرب العظيم بلطفه واحسانه ورحمته وحكمته وعلمه ..
وانظروا إلى قول الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم: {عفا الله عنك لم أذنت لهم} [التوبة43] ، فقبل أن يعاتب قدم العفو ... و كل مواطن العتاب للرسل كان فيها من بليغ الكلام، و من الاحسان شيء يفوق الوصف ..
ليتكم تعلمتم شيئا من الخطاب الإلهي الكريم لرسله الكرام ... و عرفتم كيف يكون الأدب مع علماء الإسلام، و أهل الاجتهاد الذين يجتهدون فيخطئون ويصيبون، و قد كان الواجب عليكم لو كان عندكم علم أو أدب أن تنصحوا لهم وتقيلوا عثرتهم، و تغفروا زلتهم وتسددوا مسيرتهم .. و لكن كيف وقد أصلتم أصولا تهدم الدين، وتنسف الدعاة إلى الله رب العالمين فلا يكاد يقع أحدهم في أدنى خطأ حتى تجعلوا منه وسيلة إلى هدمه و إفنائه والطعن فيه وتجريحه!! فإلى الله المشتكى ممن يدعي نصرة الدين وعمله لهدم الإسلام والمسلمين!!
الأصل الخامس:
لا يحمل مطلق على مقيد، ولا مجمل على مفسر، ولا مشتبه على حكم إلا في كلام الله ..
هذا أصلهم الخامس، وقد اتخذوا هذا الأصل حتى يحكموا بالكفر والبدعة على من شاءوا من الدعاة فبمجرد أن يجدوا في كلامه كلمة موهمة، أو عبارة غامضة، أو قول مجمل يمكن أن يحمل على معنى فاسد فإنهم يسارعون بحمل هذا القول على المعنى الفاسد الذي يريدون، ولا يشفع عندهم أن يكون قائل هذا القول المجمل قد فسره في مكان آخر تفسيرا صحيحا، أو قال بخلاف المعنى الفاسد المتوهم في مواضيع أخرى.
وهذا تصيد وترقب للخطأ من المسلم، وتحميل لكلام المسلم مالا يحتمله، وتفسير له بما يخالف نيته وقصده، مع استثنائهم لمشايخهم وأتباعهم.
الأصل السادس: خطأ الإنسان في أصول الدين غير مغتفر:
ومن فروع التكفير المشين لهؤلاء اعتبارهم أن الإنسان - أي إنسان عالما كان أم جاهلا بأمور الأحكام ومسائل الشريعة - لا يغتفر له جهله أو خطؤه في أصول الدين.
وقد جاء أصلهم هذا بناء على فهمهم السقيم لما ذكر العلماء من أن الاجتهاد لا يقبل في العقيدة .. ففهموا بفهمهم الباطل الخارجي أن من وقع في الخطأ في مسائل العقيدة فإنه غير مغفور له .. وبذلك أخرجوا علماء الأمة من الملة من حيث يشعرون أو لا يشعرون ..
الأصل السابع: إطلاق لفظ الزنديق على المسلم بلا دليل سوى الهوى:
والزنديق لا يطلق في لغة أهل العلم- في الأغلب - إلا على الكافر المظهر للإسلام، وبالخصوص على الثنوية والقائلين بإلهين، ومدعي النبوة والرسالة، والفرق الباطنية الذين يحملون معاني القرآن على عقائدهم الوثنية ..
وقد ذهب كثير من الفقهاء إلى أن الزنديق يقتل دون استتابة، بمجرد إظهار كفره لأنه منافق كذاب.
وقد تساهل أصحاب هذا الكفر الجديد بإطلاق لفظ الزنديق على المسلم المتبع للقرآن والسنة بخطأ أخطأ فيه!! فلا حول ولا قوة إلا بالله. و إنا لله و إنا إليه راجعون!! ولعل العذر لهم في ذلك هو تزاحم هذه الألفاظ في قاموسهم الذي لا يوجد فيه إلا زنديق .. وخارجي .. وكافر .. ومبتدع ..
الأصل الثامن: إقامة الحجة لا تكون إلا في بلاد بعيدة عن الإسلام:
ومن دواهي القوم قول بعضهم أن إقامة الحجة من وقع في الكفر لا تكون إلا في البلاد النائية والبعيدة عن الإسلام أما بلاد المسلمين فلا حاجة لمن وجد فيها إلى أن تقام الحجة عليه، وعلى هذا الأصل الخارجي يكون كل من وقع في الكفر أو الشرك وهو في بلاد التوحيد فهو مشرك كافر، ولا حاجة عند ذلك إلى إقامة الحجة عليه، وهذا الأصل من فروع الأصل المتقدم"ومن وقع في الكفر فقد كفر".
باستثناء الحكام فهم عندهم بحاجة لإقامة الحجة لينطبق عليهم الكفر من عدمه، أما العامة فلا حاجة عندهم لإقامة الحجة عليهم.
الأصل التاسع: العمل الجماعي أم الفتن:
حطت هذه الطائفة رحالها على عروة وثقى من عرى هذا الدين ألا وهي العمل الجماعي بغية حلها فقالوا عنه أم الفتن .. وللتدليل على حرمة العمل الجماعي قالوا أن العمل الجماعي لم يرد في الشرع بدليل أنه لو كان أمرا واجبا لوجوب أن يبينه الرسول صلى الله عليه وسلم بيانا عاما قاطعا للعذر لا ان يجعله نهبة للآراء وعرضة للأهواء وموطنا للنزاع والخلاف و مستودعا للفرقة والخلاف .. وقالوا عن ادلة مشروعية العمل الجماعي أنها لا تهدي إلى الصواب الحق أو حق الصواب، وفيها التكلف الوعر الذي لا يعرفونه إلا في منطق الفلاسفة، وأما ما تفرضه الظروف في بعض البلدان على الدعاة إلى الله من الإسرار بدعوتهم فاعتبروه باب ضلالة والعياذ بالله تعالى حيث أن دينهم جلي ظاهر لا خفاء فيه ولا دس ولا كتمان ولا أسرار.
الأصل العاشر: الحزبية المذمومة والعمل الجماعي المشروع وجهان لعملة واحدة:
اعتبر هؤلاء أن الحزبية لازمة للعمل الجماعي غير منفكة عنه وبالتالي اسقطوا سلبيات الحزبية على العمل الجماعي فقالوا: إن الحزبية تصبح دينا إذا سميناها عملا جماعيا أو قلنا جماعة!! أو جمعية!! أو لجنة!! أو حركة!! وعليه فقس!!!
وذلك أنهم يرون أن هذه الأسماء والمصطلحات العائمة البعيدة عن الوضوح قد جنت عن الإسلام والمسلمين، وهكذا هذه الحزبيات المعاصرة والتجمعات الحاضرة كانت بداياتها نيات خير ... ثم أصبحت تكتلات تراد بذاتها.
الأصل الحادي عشر: تحريمهم العمل الجماعي والتنظيم الدعوي على الجماعات الإسلامية وإباحته لأنفسهم وأشياعهم:
مع أن هؤلاء قد افتوا بحرمة العمل الجماعي والتنظيم الدعوي بحجة أنه يدعو إلى الحزبية لكن أعمالهم جاءت مخالفة لفتواهم، فلديهم عمل منظم كالأسابيع الثقافية والمخيمات الربيعية وطبع الكتب والتواصل الفكري والتنظيمي بينهم في بقاع مختلفة، وبين قيادتهم"المدينة"المعروفة إلى غير ذلك مما لا سبيل إلى إنكاره.
الأصل الثاني عشر: جمع مثالب الجماعات الدولية والتغاضي عن محاسنها من أجل هدمها:
اهتم هؤلاء الذين اتخذوا التجريح دينا بجمع الأخطاء والمثالب التي وقع فيها بعض أفراد الجماعات الدولية لا لغرض تنبيه أفرادها وتبصيرها للنصح لهم، لكن من أجل هدمها والتنفير عنها وتبديعها بل تكفير المنتسبين إليها، وقد عمدوا في سبيل ذلك إلى ضرب الجميع بأخطاء البعض، فإذا كان في جماعة التبليغ أفراد من الصوفية أصبح كل تبليغي صوفي، وإذا كان في أفراد الاخوان من يوالي الروافض فكل الأخوان المسلمين كذلك وهكذا ..
وهم يعلمون أنه ليس كل من ينتسب إلى جماعة التبليغ يدخل في الصوفية ضرورة، وهل إذا أساء بعض أهل بلد كان كل أهل البلد جميعهم مسيئين بسببه.
أن الإنسان لا يتحمل وزر غيره إلا إذا رضي به وتابعه وقد دخل كثير من العلماء وطلبة العلم في الجماعات الدعوية من اجل تصحيح مسارها، ونشر العقيدة الصحيحة بين أفرادها، ووجد هؤلاء أن الجماعة الدعوية تجمع نافع للدعوة وتعاون مفيد على البر والتقوى.
الأصل الثالث عشر: الجماعات الإسلامية فرق ضالة:
الأصل الثالث عشر لأصول أتباع السلفية الجديدة هو قولهم أن الجماعات الإسلامية ماهي إلا امتداد للفرق الضالة من معتزلة وأشاعرة وخوارج وقدرية وجهمية، تنتهج منهج الخلف في العقيدة، فأصبح بدل أن يقال هؤلاء أشاعرة وهؤلاء معتزلة صار يقال هؤلاء أخوان، وهؤلاء تبليغ ..
لقد بين الشاطبي رحمه الله في الاعتصام ضابط الحكم على تجمع معين أنه من الفرق الضالة بقوله: (وذلك أن هذه الفرق إنما تصير فرقا بخلافها للفرقة الناجية في معنى كلي في الدين، وقاعدة من قواعد الشريعة لا في جزئي من الجزئيات، إذ الجزئي والفرع الشاذ لا ينشئ عنه مخالفة يقع بسببها التفرق شيعا، وإنما ينشأ التفرق عند وقوع المخالفة في الأمور الكلية) ... إلى قوله: (ويجري مجرى القاعدة الكلية كثرة الجزئيات فإن المبتدع إذا أكثر من إنشاء الفروع المخترعة عاد ذلك على كثير من الشريعة بالمعارضة) [الاعتصام 2/ 200] .
الأصل الرابع عشر: الجماعات الدعوية جماعات ردة وتسعى إلى هدم التوحيد:
لما قرر هؤلاء أن الجماعات الدعوية أخطر على الإسلام من اليهود والنصارى وانه يجب تقديم حربهم على حرب اليهود والنصارى وجمع مثالبها من أجل هدمها، حتى زعم بعضهم أن هذه الجماعات هي جماعات ردة، وزعموا أن جميعها انحرفت عن المنهج الحق وأخذت بمنهج الخلف وعقيدتهم ودخلت إلى الساحة باسم جماعات الدعوة وجماعات خير وهي تسعى في الحقيقة إلى الإطاحة بدعوة التوحيد ومحاربته، فهي خارجة عن حظيرة الإسلام باسطة أذرعها هدما وفتكا بالإسلام وأهله وتخريبا وإفسادا لبنيانه وأرضه، فشرها يسري سريان سم الأفعى في جسد الملدوغ من غير ضجيج ولا صخب ولا ظهور إلى أن تفاقم هذا الشر واتسع الخرق على الراقع كما هو الحال والواقع!!
الأصل الخامس عشر: النظر في أحوال الأمة ومعرفة أعدائها وفكرهم محرما شرعا كالنظر في التوراة المحرفة:
جعل هؤلاء النظر في أحوال أمة الإسلام ومعرفة مخططات أعدائها وفضح أساليب مكرهم بها أمرا محرما في الدين إلا من خلال الإعلام المرضي عنه والخاضع للحكومات الغربية، وقاسوا ذلك على النظر في التوراة المحرفة وأن الرسول صلى الله عليه وسلم قد غضب على عمر بن الخطاب لما رآه ينظر في ورقة من التوراة، والحال ان الرسول صلى الله عليه وسلم قد غضب على عمر وانه رآه قد استحسن ما في التوراة فقال له: (( لقد جأتكم بها بيضاء نقية والله لو كان موسى حيا لما وسعه إلا أن يتبعني ) ) [الدارمي 441] .
وأما النظر في التوراة للرد على محرفيها والعلم بكيد الكفار وتدبيرهم فهذا فرض على المسلمين وهو من فروض الكفايات التي لا بد أن يقوم بعضهم به وإلا أثموا جميعا.
الأصل السادس عشر: فقه الواقع وخصوصيته لولاة الأمور:
لما قرر هؤلاء أن فقه الواقع يفرق شباب الأمة ويغرس الأحقاد والأخلاق الفاسدة في أنصاره من بهت الأبرياء والتكذيب بالصدق وخذلانه وخذلان أهله والتصديق بالكذب والترهات وإشاعة ذلك والإرجاف به في صورة موجات عاتية تتحول إلى طوفان من الفتن التي ما تركت بيت حجر أو مدر أو وبر إلا ودخلته.
قالوا أن فقه الواقع من واجبات ولاة المسلمين ولا يجوز أن يجند له أهل العلم وطلابه كي لا يزاحموا ولاة الأمور ويركضوا في ميادين لا يعرفون أبعادها وأغوارها لما يترتب على هذه المزاحمة و المنافسة من الأضرار بأنفسهم وأمتهم ما لا يعلم مداه إلا الله فإذا اشتغل طلبت العلم بفقه الواقع قالوا: (إن هذا من إسناد الأمر إلى غير أهله) .
الأصل السابع عشر: فقه الواقع مضيعة للوقت مذهبة للجهد، مأكلة للفائدة:
لما قرر أدعياء السلفية أن فقه الواقع من خصائص ولاة الأمور صاروا إلى تقليل شأنه وتسفيه المشتغلين به، بل اعتبروه أقرب إلى أن يكون من الترف المعرفي الذي شغف به طوائف من مثقفي العصر وعدوه تحريضا خفيا ذكيا على الفكر الإسلامي يكسرون أبوابه كسرا مروعا حتى لكأنما يثأرون لأنفسهم من أصوله وقواعده ووسائله وفروعه، وأن الدعوة إلى فقه الواقع مقولة جائرة زائفة، وان السبيل الأحمد لفقه الواقع أن تدع فقه الواقع ليستحكم عندك فقه الواقع فتكون من أعلم الناس وأفقههم بفقه الواقع أو بعبارة أخرى"لنترك فقه الواقع لنفقه الواقع"وما هذا الستار إلا لإخفاء جهلهم في ما يدور من حولهم وتثبيطا لجهاد المسلمين.
الأصل الثامن عشر: لا قتال إلا بوجود إمام عام:
أراد هؤلاء أن يبطلوا فريضة الجهاد الماضية إلى يوم القيامة فوضعوا شروطا لها لا تتوفر إلا في آخر الزمان، منها:
أن الجهاد لا يفتح بابه، ولا ترفع رايته، ولا يدعو إليه إلا إمام واحد - الخليفة -، وذلك كسائر الحدود والعقوبات.
ولما كان هذا في نظرهم غير موجود أصبح الجهاد اليوم عندهم باطلا وانتحارا، والشهيد اليوم في أرض الإسلام منتحر (ساع إلى سهم من غضب الله يجأ به في بطنه) هكذا قالوا!!
وهذا القول كبيرة من الكبائر مخالف لإجماع أهل الإسلام والقرآن والسنة فالجهاد فريضة ماضية إلى يوم القيامة سواء وجد العام أم لم يوجد ... ولم يقل بهذا القول إلا الرافضة قديما والقاديانية حديثا ...
الأصل التاسع عشر: الجهاد تكليف ما لا يطاق في هذا الزمان ولا إثم في تركه:
وبناء على الأصل السابق في تحريم القتال إلا بوجود إمام عام اسقطوا فريضة الجهاد باعتباره من التكايف غير المقدور عليها، ولا تؤثم الأمة بتركه، وليس عليها إلا أن تجعل الجهاد حاظرا في نفوس أبنائها ترقب اليوم الذي يهيء الله لها فيه أسبابه فتستجيب لندائه، فشابهوا بذلك من ينتظر صاحب السرداب ليخلص الأمة ويقيم الجمعة والجماعة والجهاد بزعمهم ..
الأصل العشرون: أفضل الجهاد اليوم ترك الجهاد، وأفضل الإعداد ترك الإعداد:
انتقل أصحاب هذا الفكر من تأصيل أن الجهاد تكليف ما لا يطاق إلى القول باستحباب تركه وأفضلية تعطيله، إذ أن سياق الآيات التي جاءت في الجهاد - حسب نظرهم - تفيد أن أفضل الجهاد اليوم هو الإمساك عن الجهاد، وهذا عندهم من الإعداد الذي توفر فيه الجهود إلى ما هو ممكن، ومقدور عليه يفتحونها متى يشاءون ويغلقونها متى يشاءون.
وليت الأمر وقف بهم عند هذا الحد، بل تجاوزه إلى تعطيل الإعداد للجهاد، فقالوا بوجوب الإمساك عن الجهاد حتى يكون الإعداد على تمامه، وقد يكون من الأعداد ترك الإعداد، وهذا متفرع من الأصل المتقدم أن الجهاد تكليف ما لا يطاق.
الأصل الحادي والعشرون: العمل السياسي تكليف ما لا يطاق:
والأصل الحادي والعشرون من أصول هذا الفكر اعتبارهم العمل السياسي أمرا لا يقدر عليه المسلم ولا يطيقه .. وبالتالي لا يشرع عليه العمل فيه، لأن الله سبحانه وتعالى لا يكلف نفسا إلا وسعها، ولا يكلف العباد في دينهم الذي شرعه لهم ليؤثمهم بالعجز عما يطيقون من فعل المأمورات، وترك المنهيات، ولهذا كان من مفاخر السلفية عندهم عدم اشتغالهم بالعمل السياسي ...