الصفحة 2 من 3

وما ذلك إلا لجهلهم أن من سبل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر خوض العمل السياسي لئلا تبقى ساحته مسرحا لأفكار العلمانيين والإباحيين، واللادينيين ..

الأصل الثاني والعشرون: وجوب مقاطعة واعتزال العمل السياسي:

لما أراد هؤلاء عزل الأمة عن واقعها أفتوا بحرمة دخول المسلم الملتزم العمل السياسي أو الاقتراب منه لأنه مصيدة نصبت ليسقط فيها كل من يدنو منها أو يمسها ولو بكلمة، ولا يدخلها إلا من يضع رداء الغربة على منكبيه لا يلبث أن يخرج مسرعا وإلا ذاق مرارة الهوان.

فنادوا بوجوب اعتزال الدعاة إلى الله العمل السياسي بحجة أنه من العبث، ولا يحسنه إلا من هيئ له وصنع خصيصا من أجله، واعتبروا أن الاقتراب من السلوك السياسي أو الحوم حوله هو كعمل الفراشة يستهويها الدوران حول النار حتى إذا كلت مالت إلى النار فاحترقت، وعدوا طريق السلامة اعتزاله، من ذلك قول أحدهم"ليس من الكيس أن يدع الإنسان الحيس بليس، بل الكيس أن يأخذ الحيس بالكيس وان يدع ليس، ومن الكيس أن يعرف أين هو من الحيس؟ أبعيد منه أم قريب"... إلى آخر ذلك مما في"كيسهم"من الألغاز والطلاسم.

الأصل الثالث والعشرون: العمل السياسي من المحظورات الشرعية وعلى العلماء والدعاة التحذير منه:

ومن أجل أصلهم السابق جعلوا مخالطة السلوك السياسي على ما هو عليه الآن محظورا، ولا وجه فيه من الإباحة لزحزحته عن دائرة المحظورات الشرعية، فمن خالطه فإنما يخالطه بوزر، ومن تاب منه تاب الله عليه، فيفرض على العلماء والدعاة والتحذير منه، فإن تركه للقائمين عليه أولى من أن ينافسهم فيه غيرهم، لأنه بمجموعه مصادم لأصول العقيدة وفروع الشريعة، وإن كان لابد من العمل السياسي للمسلم فإنه ينبغي أن لا يجاوز التصور النظري المحض فإن تجاوزه فإنما يجاوزه إلى التعبير عنه بالكلمة الواعية، وكل ذلك لأن الجماعات الإسلامية قد أعطت الجانب السياسي الأهمية البالغة فحولت اندفاع الناس من طلب العلم الشرعي إلى العمل السياسي والتهريج ...

والحقيقة أن ذلك دعوة خطيرة للعلمنة وفصل الدين عن الدولة فما لله لله وما لقيصر لقيصر بمعنى اتركوا البلاد للحكام، ولعلماء الدين والمساجد.

الأصل الرابع والعشرون: أساليب الدعوة ووسائلها توقيفية:

لما أراد هؤلاء أن يبطلوا جماعات الدعوة إلى الله فإنهم وضعوا أصلا فاسدا يقول:"إن أساليب الدعوة ووسائلها توقيفية"وذلك لإبطال ما لا يرون من الأساليب والوسائل وتحليل ما يرون منها .. وما يملي عليهم أشياخهم.

والحال أن الوسائل والأساليب ليست توقيفية لأنها ليست من أمور الغيب وفرائض الدين، فلم يتعبدنا الله بأسلوب معين للدعوة، ولا بوسيلة خاصة، وقد تعارف المسلمون في عصورهم المختلفة على أساليب ووسائل غير منحصرة كالدروس المنظمة، والإجازات الشرعية، والمدارس والجامعات، وطبع الكتب والمجلات، وكذلك استخدموا الإذاعة والشريط و التلفاز، وكذلك الجماعة الدعوية، وجماعة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والحسبة، وبعض ذلك لم تنص عليه نصوص خاصة في الكتاب والسنة.

الأصل الخامس والعشرون: لا عمل لنصر الإسلام:

الدعوة التي خصص هؤلاء أنفسهم لها وفرغوا أعمالهم من أجلها هي أن يهدموا الدعاة إلى الله ويشينوهم ويسبوهم ويجرحوهم ... هذا هو جهادهم وعملهم لنصر الدين وإعلاء كلمته في العالمين!!

ولا أخالي مخطأ إن قلت أن الحسد الدفين هو دافعهم لذلك كله، إن لم يكن بريق الدينار والدرهم.

الأصل السادس والعشرون: النميمة للسلطان أصل من أصولهم:

فتراهم يستعينون بسوط السلطان لإسكات مخالفيهم بدلا من الحجة والبرهان ..

لا يتورع القوم عن تأليب السلطان على مخالفيهم في القضايا الاجتهادية، وذلك من خلال تصوير هؤلاء المخالفين بأنهم خطر على الدولة وبالتالي يجب اقتلاعهم، ومن هؤلاء من كتب مؤلبا في صفحات الجرائد العامة.

ومنهج السلف مع السلاطين معروف، فهم يتجنبون أبواب السلطان، وإن كان عادلا مقسطا إتباعا لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (( من أتى أبواب السلطان افتتن ) )، فكيف إذا كان يعمل بالنميمة ويرسل التقارير والأشرطة المسجلة، ليصطاد عبارة موهمة، أو يتجسس على شيخ ليتقرب بدمه عند السلطان ..

وقال الثوري: (إذا رأيت العالم يكثر الدخول على الأمراء فاعلم أنه لص!) .

وهؤلاء لا سلف لهم في أسلوبهم التحريضي إلا المعتزلة أيام المأمون والمعتصم حين استعانوا بسوط السلطان على أهل السنة، وحكايتهم مع الإمام أحمد مشهورة معلومة.

الأصل السابع والعشرون: تقديم هدم دعاة السنة على أهل الفرق:

الأصل السابع والعشرون للطائفة التي اتخذت سب الدعاة إلى الله دينا: أن أهل البدع الكبرى كالرفض والتجهم والإرجاء واللادينيين ... يقولون عنهم: هؤلاء معروف أمرهم، ظاهر فعلهم ولذلك فلا يجوز أن ننشغل بهم بل يجب أن ننشغل بالدعاة إلى الله لنبين أخطاءهم لأنها تخفى على الناس ...

فنعوذ بالله من الخذلان ع طريق الحق، نسأله جل وعلا ألا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا.

فانظر كيف عمى هؤلاء عن حرب المحاربين للإسلام وانشغلوا بحرب أولياء الرحمن والدعاة إلى الله!! ونهش لحومهم وتفضيل جهادهم بدلا من مؤازرتهم والنصح لهم، وتسديد أخطائهم .. فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

الأصل الثامن والعشرون: إطلاق وصف الضال المضل على دعاة هدى:

استسهل هؤلاء إطلاق الألفاظ الكبيرة العظيمة ومن ألفاظهم التي تسهل على ألسنتهم إطلاق وصف"الضال المضل"و"الخبيث"على دعاة الهدى والخير من أهل السنة والجماعة.

وإطلاق هذا الوصف على من لا يستحقه كبيرة من الكبائر، ولا شك أن مثله يعود على قائله نعوذ بالله من الخذلان، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

الأصل التاسع والعشرون: سب الدعاة قربة إلى الله وعمل صالح أفضل من الصلاة والصوم:

الأصل التاسع والعشرون من أصول هذا الفكر هو التعبد لله بسب الصالحين وشتمهم ولعنهم. فالمسلم الداعية الذي يمكن أن يكون قد أخطأ تأولا أو جهلا يصبح وقوعه في هذا الخطأ الاجتهادي سببا في استحلال عرضه بل دمه!

وقائمة السباب عند هؤلاء الجراحين طويلة فـ"الخبيث"، و"الخنيث"، و"الزنديق"، و"المبتدع"وأوصاف سهلة على ألسن هؤلاء الجراحين يقولونها في كل مناسبة، ويطلقونها على الصالحين من عباد الله دون أي تأثم أو مراجعة للنفس، بل بصدر منشرح، ويظنون أن هذا أرجى أعمالهم عند أعمالهم عند الله: {إذ تلقونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم} [النور15] .

الأصل الثلاثون: إنزالهم الآيات النازلة في الكفار على المسلمين:

هذه الفئة التي اتخذت سب المسلمين دينا أرادت أن تستدل لمنهجها في تجريح أهل الإسلام وتبديعهم وتفسيقهم واستباحة أعراضهم، ووجوب مفارقة الصالحين منهم وهجرهم، وتعطيل دعوتهم، أرادت أن تستدل لهذا المنهج الفاسد من القرآن ... فاستدلت بالآيات النازلة في الكفار، وأن الرسل جاءوا للتفريق بين الأب وأبيه والزوج وزوجته، والأخ وأخيه، ويستدل بعضهم في دروسه بأن محمدا صلى الله عليه وسلم قد جاء فرقا بين الناس أو قد فرق بين الناس، ويجعلون هذا الحديث دليلا على وجوب التفريق بين المسلمين، فالسلفي غير الأحواني غير التبليغي ... ويعقدون الولاء والبراء بين السلفيين وهؤلاء، كما هو الولاء والبراء مع الكفار .. !! فلا حول ولا قوة إلا بالله.

والحديث في التفريق بين المؤمن والكافر يحملونه على وجوب التفريق بين مسلم وآخر، ويستدل بعضهم بقوله تعالى: {ولقد أرسلنا إلى ثمود أخاهم صالحا أن اعبدوا الله فإذا هم فريقان يختصمون} [النمل 45] أن صالحا جاء ليفرق بين قومه.

ويرى هذا المستدل بهذه الآية أنه عندما يفرق بين مسلم و مسلم!! فهو تابع لصالح عليه السلام في تفريقه بين المؤمنين والكافرين. فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم ...

الأصل الحادي والثلاثون: الهم الأول جمع مثالب الدعاة من أجل التنفير عندهم:

جعل هؤلاء الجراحون همهم الأول في الدعوة إلى الله هو الوقوف على أخطاء الدعاة، وجمع مثالبهم، وحفظ سقطاتهم برقم الصفحة، ونص كلامهم ... والاهتمام بنشر هذه المثالب والسقطات بقصد تنفير الناس منهم لا بقصد تحذير الناس من الوقوع فيها، أو النصح لمن وقعوا فيها، وإنما بقصد أن ينفروا الناس عن الداعي إلى الله ويبطلوا جميع جهاده وكل حسناته، ويهدموا كل ما بناه، ويحرموا المسلمين من جميع مؤلفاته وعلمه ولو كان نافعا صالحا.

وهذا تخريب عظيم وسعي للإفساد في الأرض، فلو أن ساعيا سعى في جميع مثالب الأئمة والفقهاء لوجد الكثير، ولو أن جامعا جمع سقطات الفقهاء لجمع شيئا لا يحصى، وقد قال سليمان التيمي: (لو أخذت برخصة كل عالم اجتمع فيك الشر كله) ، قال ابن عبدالبر معقبا: (هذا إجماع لا أعلم فيه خلافا) [جامع بيان العلم وفضله 291 - 92] .

ولا يوجد عالم لم يتكلم فيه، ولو تذكر له جرحة أو سقطة إلا من رحم الله!!

وهؤلاء الجراحون أنفسهم لو جمع جامع بعض سقطاتهم وزلاتهم من شريط أو شريطين أو كتاب أو كتابين أو محاضرة أو محاضرتين لكفت في إسقاط عدالتهم، وتبديعهم وتكفيرهم على حسب أصولهم الفاسدة في التبديع والتفسيق والتجهيل والتكفير.

وهم يدعون أن الخطر الذي يتهدد الوجود الإسلامي في الأرض اليوم على أيدي هذه الفرق والطوائف الضالة أشد بكثير جدا من الخطر الذي يتهدده على أيدي الأعداء الصرحاء من اهل الشرك والمذاهب المادية، إذ أن هذه الفرق والطوائف تدعي الإسلام، ويحسبها غير المسلمين على الإسلام وهي في حقيقتها سوس مكين يسري في جذوع الإسلام وفروعه، في الوقت الذي يتغافلون فيه عن أهل الكفر والبدع الظاهرة لعجزهم عن مواجهتهم ..

الأصل الثاني والثلاثون: اعتبار الدعاة أخطر على الإسلام من اليهود والنصارى واللادينيين:

هذا وهو الوصف الذي يطلقه أصحاب هذا الفكر على الدعاة إلى الله، وجماعات الدعوة والقائمين بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والذين يأمرون بالقسط من الناس ...

فهؤلاء المصلحون المجتهدون في إصلاح أحوال هذه الأمة يصفهم هؤلاء بأن دعوتهم وأمرهم بالمعروف وقيامهم بالحق أخطر على أمة الإسلام من اليهود والنصارى، فلا حول ولا قوة إلا بالله، وإنا لله وإنا إليه راجعون.

الأصل الثالث والثلاثون: يجب تقديم حرب الدعاة إلى الله على حرب اليهود:

لما كان هؤلاء يرددون ويعتقدون أن الدعاة إلى الله هم أخطر على الإسلام من اليهود والنصارى فإنهم من أجل ذلك قدموا حربهم على حرب اليهود والنصارى وقالوا إن الواجب كشف عوار هذه الفرق - الجماعات - وبيان ضلالها والتحذير من آثامها وخطرها، وتعرية دعاتها و رؤوسها، وصرف قلوب الناس وعقولهم عنها، بل رأوا أن التصدي لجماعات الدعوة مقدم على التصدي للكفار والمنافقين والعلمانيين واليساريين، بجميع أشكالهم.

وهذه هي علة الخوارج قديما وحديثا كما وصفهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( يقتلون أهل الإسلام ويدعون أهل الأوثان ) ) [البخاري 3344] .

الأصل الرابع والثلاثون: اتهام النيات بلا دليل:

الأصل الرابع والثلاثون عند هؤلاء أنهم لا يكتفون بالحكم على الظاهر، فلقد أحرجهم الذين ظاهرهم الصلاح والدعوة إلى السنة والخير، ولما اجتهدوا فلم يجدوا جرحة كبيرة يهدمون بها من يريدون هدمه فإنهم اتهموا نياتهم وقالوا"ما دعوا إلى السنة إلا لهدمها"و"ما التزموا بالسلفية إلا لحربها".

ومن أجل ذلك كان أخذ الناس بالظنة، واتهامهم بلا بينة راجحة سمة من سمات منهجهم الكاسد.

الأصل الخامس والثلاثون: جعلهم الخطأ في المسائل العلمية التي يقع بها بعض الدعاة اعظم منه في المسائل العملية مطلقا:

لقد جعل هؤلاء الجراحون الخطأ في المسائل العلمية التي يقع بها بعض الدعاة أعظم من الخطأ في المسائل العلمية مطلقا.

ولهذا فإنهم لا يعدون جرائم الحكام الطغاة في الشعوب الإسلامية، وما يقترفونه من فساد وإفساد وصد عن سبيل الله ... لا يعدون ذلك شيئا لظنهم أنه لا يعدو أن يكون فسقا عمليا، بينما يعظمون الشنعة على داعية وقع في خطأ في مسألة علمية و يملئون الدنيا عويلا وتشهيرا.

وربما استدلوا بقول بعض أهل العلم (البدعة شر من المعصية) وهو ليس على إطلاقه، فإن الخطأ قد يكون نسبيا بحسب اختلاف الاجتهاد، وقد يكون فاعله مثابا وإن كان مجتهدا وإن ظنه غيره بدعة، وقد يكون متأولا.

فلا يكون الداعي إلى إفساد المسلمين ونشر الربا والزنا وغيرها من كبائر الفواحش والعظائم بينهم بالدعوة إلى ذلك بالوسائل المرئية والمسموعة فضلا عن السماح بنشر بدع الإلحاد والضلال والمذاهب الهدامة عبر الصحافة وغيرها، أهون ذنبا من داعية صالح وقع متأولا فيما يعد بدعة عند غيره.

الأصل السادس والثلاثون: إنزالهم أنفسهم منزلة أئمة أهل السنة الكبار في تبديع مخالفيهم:

ومن ذلك استدلالهم بكلام الثوري و الأوزاعي في تبديع أحد الأئمة المشهورين على جواز ما يفعلونه من تبديع وتضليل لمخالفيهم، وهو بلا ريب قياس مع الفارق فإنما ساغ ذلك للثوري وغيره من أئمة السلف بسبب ما أوتوه من علم وعمل وقبول بين الناس، وشتان ما بين أحوال أولئك الأئمة وأحوال هؤلاء الطائشين المتعجلين.

الأصل السابع والثلاثون: لا يذكر للدعاة والمفلحين إلا سيئاتهم:

الأصل السابع والثلاثون من أصول البدعة عند هؤلاء هو أنهم لا يذكرون للدعاة والمصلحين ومن يريدون هدمهم من أهل الخير إلا سيئاتهم فقط، وذلك بهدف التنفير منهم وإبعاد الناس عنهم وتحذير طلبة العلم منهم والملتزمين والعوام من الاستماع إليهم، ويسمون منهجهم هذا منهج أهل السنة في النقد.

وهذا على الحقيقة هو منهج المبتدعة والرافضة الذين لا يذكرون إلا ما يضنونه من أخطاء الصحابة أو مثالبهم ويتعامون عن حسناتهم وبلائهم وجهادهم، ولا يذكرون لأهل السنة والجماعة إلا أخطائهم لقصد تنفير الناس عنهم، وهؤلاء أخذوا منهج الروافض وشرعوا يحذرون الناس من الدعاة إلى الله والمصلحين وأهل الخير لتلمس أخطائهم والبحث عن هفواتهم وتصيد زلاتهم، ومن ثم تحذير الناس منهم بدلا من النصح لهم والدعاء لهم بالخير وتنبيههم إلى ما أخطأوا فيه ليحذروه ويبتعدوا عنه و تأيدهم فيما قاموا به من نصرة الحق وعزة الدين ونشر الإسلام.

بل هؤلاء الجراحون يبطلون جميع حسنات الدعاة حتى وإن كانت جهادا في سبيل الله ويرون أن صلاتهم وصيامهم وحجهم وعبادتهم لا تنفعهم عند الله لوقوعهم في هذه الأخطاء القليلة التي لا تخرج من الإسلام ولا تدخل في بدعة فإنا لله وإنا إليه راجعون.

الأصل الثامن والثلاثون: استعمالهم الألفاظ المجملة:

استعمالهم الألفاظ المجملة في الذم ليتوهم السامع الساذج معنى مذموما ويسلم لهم مرادهم مثل استعمالهم كلمات"التهييج"و"التلميع"و"التمييع".. الخ.

وذلك كشأن أهل البدع في استعمال لفظ"الجهة"، أو"الجسم"، و"التركيب"، وهم يريدون معاني خاصة بهم، كذلك طائفة الجراحين يريدون:

بالتهييج: إنكار المنكر.

بالتلميع: الثناء على من وقع في بدعة فيما أحسن فيه، كما كان يفعل علماء الإسلام من عصر الصحابة إلى أن خرجت هذه الطائفة العجيبة ..

بالتمييع: إحسان الظن فيمن أخطأ والتماس العذر العذر له.

وهذا كله حق كما ترى لكنهم يلبسونه ألفاظا مجملة مطلقة للإفساد و التخبيط.

وقد قال ابن القيم:

فعليك بالتفصيل والتمييز فالإ * طلاق والإجمال دون بيان

قد أفسدا هذا الوجود وخبطا الأ * ذهان والآراء كل زمان

ومن هذا أيضا استعمالهم كلمة"المنهج"بلا إضافة تعين المراد، وذلك لأن كلمة المنهج هكذا بإطلاق تخوف السامع الساذج، فيرتاع من مخالفة ما يقولون، وهذه خدعة يحسنها أهل البدع والتلبيس، فإن"المنهج"كلمة تعرف بالإضافة ..

فإن كان المقصود"منهج العقيدة"، فهو الأصول التي أجمع عليها السلف والقواعد الكلية التي بها فهموا الكتاب والسنة، وفارقوا الفرق الضالة، وهي قضايا علمية وأصول كلية ثابتة معلومة، ومخالفتها خطرا عظيم وبدعة شنيعة.

وإن كان المقصود"منهج الاستدلال"في أصول الفقه و فروعه ففي بعض ذلك خلاف معروف مثل الخلاف في الإجماع الذي يحتجوا فيه، والقياس، وشرع من قبلنا، وغير ذلك من القضايا المذهبية التي اختلف فيها السلف ولا تخرج المخالف المخطأ من أهل السنة. وإذا كان هناك ثوابت في منهج الاستدلال مخالفتهما بدعة شنيعة.

مثل ذلك بعض الخلاف في الاستدلال بالحديث مثل اشتراط اللقيا و الاحتجاج بالمرسل و مجهول الحال وتسامح بعض السلف في رواية الضعيف في الترغيب والترهيب، ونحو ذلك من الأمور المذهبية التي جرى فيها خلاف بين أهل السنة ولا يخرج المخطأ فيها من أهل السنة.

وإن كان المقصود"منهج الدعوة"، فالأمر أكثر سهولة ويسرا لأن منهج الدعوة منه ما هو ثابت كالانطلاقة من الأصول التي أجمع عليها السلف وتقديم العقيدة والعناية بالسنة ونبذ البدعة ومنه ما هو يتغير بتغير الزمان والمكان والمدعوين كدخول المجالس النيابية والعمل الجماعي المنظم ونحو ذلك مما قد يصلح أن يكون منهجا للدعوة في بلد دون بلد وزمن دون زمن.

والمقصود أنه لابد من التفصيل والتبيين والحكم على المسائل بعلم .. أما إطلاق كلمة"هذا المنهج"،"يخالفنا في المنهج"،"منحرف عن المنهج"،"ليس على المنهج السلفي"فهو سبيل أهل البدع .. والله المستعان.

الأصل التاسع والثلاثون: اختراعهم قول"ليس على منهج السلف"أو"ليس على منهج أهل السنة والجماعة"وكأنهم ورثوا عرش السلفية دون غيرهم:

اخترع هؤلاء الجراحون هذه العبارة"ليس من منهج السلف"وهي عبارة مجملة ترقى عنهم إلى التكفير والإخراج من أهل السنة والجماعة، والفرقة الناجية ...

ويطلقون هذه الكلمة على مجرد مخالفة يسيرة في أمر اجتهادي يسوغ فيه الخلاف، كالمشاركة في المجالس النيابية، بقصد الإصلاح ودفع الشر، وكالقول بأن وسائل الدعوة ليست توقيفية.

وهذه الكلمة كلمة كبيرة، واصطلاح خطير لأنه أدى بكثير من هؤلاء الجراحين إلى التكفير بغير مكفر، والتبديع بغير مبدع للمسلمين الذين يؤمنون بالقرآن والسنة ولا يخرجون على إجماع الأمة ويعتقدون عقيدة السلف في الإيمان بالأسماء والصفات وسائر أمور الغيب ولا يقدمون قول أحد على قول الله ورسوله، ولكنهم قد يخالفون هؤلاء في أمر فرعي اجتهادي يسوغ فيه الخلاف ..

فيطلق عليهم هؤلاء هذه الكلمة الكبيرة"ليس من منهج السلف"و"ليس من أهل السنة والجماعة"وهذه الكلمة لا تطلق إلا على من وضع أصولا تخالف أصول أهل السنة كإنكار السنة أصلا أو الدخول في بدعة عقائدية كالخروج والرفض والإرجاء والتجهم والقدر، أو تقديم العقل والهوى على النصوص من القرآن والسنة، أو الفصل بين الدين والسياسة ... ونحو ذلك من البدع العقائدية التي تهدم الدين أو جزءا منه.

الأصل الأربعون: استخدامهم سلاح هجر المبتدع ضد المسلمين المصلحين:

هجر المبتدع وسيلة شرعية للإصلاح تخضع للمصالح والمفاسد وهو من أصول أهل السنة والجماعة، وقد استخدمه أهل السنة لمحاربة البدعة وتقليل ضررها وشرها والتحذير من أهلها، وقد وضع أهل السنة والجماعة ضوابط لذلك ومنها:

أن الحكم على المبتدع متروك للأمة الأعلام الذين يميزون بين السنة والبدعة فقد كان الصحابة - رضي الله عنهم - أنفسهم يرجعون إلى العلماء منهم قبل الحكم على أمر جديد، كما رجع أبو موسى الأشعري إلى ابن مسعود لما رأى في المسجد أناسا متحلقين وفي وسط كل حلقة كوم من الحصى، وعلى رأس كل حلقة رجل يقول لهم سبحوا مائة فيسبحون كبروا مائة فيكبرون، فلم يتعجل أبو موسى الحكم عليهم حتى سأل ابن مسعود في ذلك. [رواه الدارمي 208] .

وكذلك رجع الناس إلى ابن عمر لما نشأ القدر، ورجعوا إلى علي بن أبي طالب لما ظهر الخوارج وهكذا ...

ومن أصول أهل السنة أن الهجر للتأدب وأنه يختلف بحسب قوة الهاجر وضعفه وأنه لتحقيق مصالح شرعية وان المصلحة الشرعية إن كانت في المخالطة وجب المصير إليها ...

وبالجملة فالهجر الشرعي لا يكون إلا لتحقيق مصالح شرعية عظيمة.

وهؤلاء الجراحون استخدموا الهجر سلاحا لقتل الإسلام، وتفريق المسلمين فجعلوا كل صغير لم يصل الحلم جراحا وحاكما على الناس بالبدعة والسنة، وأمروا بهجر كل الدعاة والجماعات، وكل من أخطأ خطأ في نظرهم ... فلم يبق أحد من المسلمين من أهل السنة والجماعة - إلا من رحم الله - إلا استحق عندهم الهجر.

ثم كروا على أنفسهم فبدع بعضهم بعضا وهجر بعضهم بعضا وهكذا ارتد سلاحهم عليهم ... وبهذا حول هؤلاء الجراحون سلاح هجر المبتدع الذي استعمله أهل السنة في محاربة البدعة إلى سلاح يحاربون به الإسلام والسنة، فإنا لله وإنا إليه راجعون ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

الأصل الحادي والأربعون: حملهم أقوال السلف في التحذير من أهل البدع على الدعاة المنتسبين إلى أهل السنة والجماعة:

من عظائم هؤلاء أنهم أخذوا نصوص السلف في التحذير من أهل البدع ووضعوها في غير مواضعها، فقد أطلقوها على أناس صالحين من أهل السنة والجماعة.

وعلى أساس منهجهم الفاسد في أن (كل من وقع في البدعة فهو مبتدع) فإنهم أخرجوا أناسا كثيرين من أهل السنة والجماعة لم يكونوا دعاة لبدعة وإن كانوا قد تلبس ببعضهم بها خطأ، وتأولا كالحافظ ابن حجر والإمام النووي من الأئمة الأعلام رحمهما الله، وغيرهما ..

ولما رأى بعضهم خطورة ذلك وأنهم ربما يبدعون بذلك عددا كبيرا من علماء الأمة رجعوا عن تبديع هؤلاء الأقدمين، واستمروا في تبديع الدعاة المعاصرين، علما أن هؤلاء الدعاة وقعوا في بعض الأخطاء التي لا تخرجهم من عموم أهل السنة والجماعة، وهي أهون مما وقع فيه الحافظ ابن حجر والإمام النووي رحمهما الله ...

ومنهم من اتخذ التقية، دينا فكان يبدع هؤلاء الأقدمين سرا أو أمام خاصته، وينفي عنهم البدعة علنا. فنعوذ بالله من الخذلان، ولا حول ولا قوة إلا بالرحمن.

فهلا اتبع هؤلاء قواعد أهل السنة والجماعة في التبديع بدل من اعتناقهم قواعد تصل بهم أن يبدعوا سلف الأمة جميعا، بل لو طبقوا هم قواعد التبديع التي اخترعوها على أنفسهم حسب موازينهم لكانوا من شر أهل البدع!!!

الأصل الثاني والأربعون: امتحان الدعاة إلى الله بالموقف من بعض أهل العلم:

لما بدع هؤلاء جماعة من الدعاة وأهل العلم من غير مبدع حقيقي، اضطروا بعد ذلك إلى امتحان الناس بتحديد الموقف ممن بدعوه، فمن لم يقل بقولهم أخرجوه من السلفية، ومن قال بقولهم فهو السلفي الحقيقي عند هؤلاء القوم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت