فهرس الكتاب
ليس للمكلف أن يقصد المشقة لذاتها لعظم أجرها ولكن له أن يقصد العمل الذي يعظم أجره لعظم مشقته من حيث هو عمل قال الشاطبي [79] :".. وذلك هو قصد الشارع بوضع التكليف به وما جاء على موافقة قصد الشارع هو المطلوب، فإذا كان قصد المكلف إيقاع المشقة، فقد خالف قصد الشارع من حيث إن الشارع لا يقصد بالتكليف نفس المشقة، وكل قصد يخالف قصد الشارع باطل".
ويشكل على هذا التقرير:
أولًا:
ما دلت عليه ظواهر بعض النصوص من أن قصد المكلف إلى التشديد على نفسه في العبادة وسائر التكاليف صحيح مثاب عليه ومن ذلك حديث جابر [80] - رضي الله عنه - قال: خلت البقاع حول المسجد، فأراد بنو سلمة أن ينتقلوا إلى قرب المسجد، فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال لهم: (إنه بلغني أنكم تريدون أن تنتقلوا قرب المسجد) قالوا: نعم يا رسول الله أردنا ذلك. فقال صلى الله عليه وسلم: (بنو سلمة دياركم تكتب آثاركم، دياركم تكتب آثاركم) وفي رواية لمسلم: (إن لكم بكل خطوة درجة) .
ثانيًا:
أحوال أصحاب الأحوال، فإنهم ركبوا في التعبد إلى ربهم أعلى ما بلغته طاقتهم، وقد ثبت نظير ذلك عن بعض الصحابة رضي الله عنهم ومن ذلك ما رواه ابن المبارك [81] أن أبي موسى الأشعري كان يتتبع اليوم المعمعاني الشديد الحر فيصومه.
وقد أجاب الشاطبي [82] وابن القيم [83] بما حاصله:
أنالأحاديث ليس فيها دليل على قصد المشقة لذاتها، فحديث بني سلمة جاء في رواية البخاري ما يفسره في أنّه زاد فيه (وكره أن تعرى المدينة قبل ذلك، لئلا تخلو ناحيتهم من حراستها) ومعنى ذلك أن ديارهم أصبحت موضع رباط يثاب المرء على قصد وجوده فيه من هذه الحيثية.