فهرس الكتاب
وأما فعل أبي موسى رضي الله عنه فإنه حجة من عمل الصحابي، ولكن فيه الإخبار بأن عظمة الأجر ثابت لمن عظمت مشقة العبادة عليه، وليس فيه قصد التشديد على النفس، وإنما قصد الدخول في عبادة عظم أجرها لعظم مشقتها. وأما شأن أرباب الأحوال فمقاصدهم القيام بحق المعبود مع طرح حظوظ النفس، وليس قصدهم التشديد على النفوس لذاته. وبناء على ما تقدم من عدم قصد المكلف المشقة لذاتها، فإن المشقة إذا كانت حاصلة بسبب المكلف مع عدم اقتضاء ذلك العمل بأصله، فأدخلها المكلف على نفسهباختياره، فإن فعله يكون منهيًا عنه ولا يصح التعبد به.
ويدل على ذلك حديث ابن عباس [84] - رضي الله عنه - قال: بينما النبي صلى الله عليه وسلم يخطب إذ هو برجل قائم في الشمس، فسأل عنه فقالوا: هذا أبو إسرائيل، نذر أن يقوم ولا يقعد، ولا يستظل، ولا يتكلم، ويصوم .. قال صلى الله عليه وسلم: (مره فليتكلم وليستظل وليقعد وليتم صومه) قال الإمام مالك [85] - رضي الله عنه -"أمره أن يتم ما كان لله طاعة، نهاه عن ما كان لله معصية"من ذلك قوله صلى الله عليه وسلم (هلك المتنطعون) ، [86] ورده صلى الله عليه وسلم التبتل على عثمان بن مظعون، ونهى الذين أرادوا التشديد - بالتبتل - على أنفسهم وقال: (من رغب عن سنتي فليس مني) . [87]
قال الشاطبي [88] :"ونهيه عن التشديد شهير في الشريعة بحيث صار أصلًا فيها قطعيًا، فإذا لم يكن من قصد الشارع التشديد على النفس، كان قصد المكلف إليه مضادًا لما قصد الشارع من التخفيف المعلوم المقطوع به، فإذا خالف قصده قصد الشارع بطل ولم يصح ..".