فهرس الكتاب
ولهذا فإن المكلف متى علم أو ظن أنه يدخل على نفسه أو جسمه أو عقله حالة فساد، أويكره بسبب تلك المشقة - غير الملازمة للعمل - أو تدخل عليه الملل، أو لم يعلم ولم يظن ولكنه وجد ذلك للدخول في العمل، ليس له فعل ذلك العمل: وفي مثل ذلك قال صلى الله عليه وسلم (ليس من البر الصوم في السفر) [89] وترجمة البخاري تدل على سبب ورود الحديث الدال على منع الدخول في المشقة غير المعتادة التي تدخل على النفس العسر والعنت، وذلك بقوله"باب قول النبي لمن ظلل عليه واشتد الحر".
غير أن هذه المشاق غير المعتادة، قد تكون معتادة بالنسبة لبعض المكلفين المنقطعين لله تعالى المعانين على بذلك المجهود في التكاليف، وفي قوله تعالى: (واستعينوا بالصبر والصلاة وإنها لكبيرة إلاّ على الخاشعين) البقرة (45) فجعلها كبيرة على المكلف، واستثنى الخاشعين، الذين إمامهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فهو الذي كانت قرة عينه في الصلاة كما ثبت ذلك في مسند الإمام أحمد [90] ، فمن خص بوراثته في هذا النحو، نال من بركة هذه الخاصية، فأقبل على العبادة بيقين ساطع، لما وجد فيها من راحة ولذة، فليس العابد، ببصيرة وضاءة في ضائقة من حرج النفس واقتحام المكاره - كما يحسب أسارى الأهواء - بل هو لذة لا تنقص - عند من ذاقها - عن لذة إدراك المعارف السامية، والحكمة الغامضة.