فهرس الكتاب
وليس ذلك خاص بأرباب الأحوال، بل هو شأن الصحابة والتابعين ممن اشتهر بالعلم وحمل الحديث والاقتداء بعد الاجتهاد - في استقامة وتوازن تام بين التكاليف الشرعية، ومن ذلك ما صح عن عثمان بن عفان - رضي الله عنه أنه كان إذا صلى العشاء أوتر بركعة يقرأ فيها القرآن كله. [91] يكفي في ذلك شهادة القرآن لصحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم (كانوا قليلًا من الليل ما يهجعون وبالأسحار هم يستغفرون) الذاريات (17، 18) وقوله تعالى: (تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفًا وطمعًا) السجدة (16) ، فهؤلاء هيأهم الله لتلك الأعمال وهيأهم لها، ولم يكونوا مخالفين بذلك للسنة، بل كانوا معدودين من السابقين، وذلك لأن العلة التي نهي لأجلها عن العمل الشاق مفقودة في حقهم، وقد صور الشاطبي [92] حالهم ةيسر هذه المشاق في حقهم فقال:".. حاله حال من يعمل بحكم غلبة الخوف أو الرجاء أو المحبة، فالخوف سوط سائق، والرجاء حادٍ قائد، والمحبة تيار حامل، .. غير أن الخوف من ما هو أشق يحمل على الصبر على ما هو أهون وإن كان شاقًا .. والرجاء في تمام الراحة يحمل على الصبر على تمام التعب، والمحب يعمل ببذل المجهود شوقًا إلى المحبوب فيسهل عليه الصعب، ويقرب عليه البعد".
الأمر الثاني:
أداء الفعل مع المشقة غير المعتادة:
سبق الكلام عن تقرير كون المشقة غير مقصودة للشارع وأن المكلف لا يقصدها لذاتها وهو الأمر الأول وأداء الفعل مع المشقة غير المعتاد هو الأمر الثاني، مع العلم بأن بعض المخلصين قد تكون هذه المشقة غير المعتادة معتادة في حقهم كما سبق بيان ذلك.
ولبيان حكم أداء الفعل مع مشقة غير معتادة فإن العمل الحاصل مع مشقة غير معتادة لا يخلو من حالتين [93] :
الأولى:
من خفت عليه المشقة فتكلف وفعل، ولم يخش الهلاك أو الضرر العظيم، كالمريض يتحمل المشقة في حضور الجمعة، فهذا يصح منه ويسقط عنه الفرض.
الثانية: