فهرس الكتاب
أن يتكلف الفعل مع خشية الهلاك أو الضرر العظيم، قال الزركشي [94] في حق من يصوم في مثل هذه الحالة:"فيجب عليه الفطر إذا كان صائمًا في رمضان، فإن صام عصى"قال الشاطبي [95] "وقد نقل منع الصوم إذا خاف التلف به عن مالك والشافعي، لا يجزئه إن فعل، ونقل المنع عن الطهارة عند خوف التلف والانتقال إلى التيمم".
إلا أن الغزالي ذكر في المستصفى في المريض يريد الصوم في مثل هذه الحالة أنّه يجب عليه الفطر فإن صام عصى ثم قال:"ويحتمل أن يقال إنما عصى لجنايته على الروح التي هي حق الله تعالى ويكون كالمصلي في الدار المغصوبة يعصي لتناوله حق الغير وكذلك هذا لم يعص من حيث أنه صائم بل من حيث سعيه في الهلاك".
والذي يظهر لي - والله أعلم - أن هذا الاحتمال الذي ذكره الإمام الغزالي والذي مقتضاه صحة الصيام مع الإثم للسعي في الهلاك لا يخلو من نظر؛ وذلك؛ لأن أداء المكلف للعبادة مع خوف الهلاك، وإن شابهت الصلاة في الأرض المغصوبة من جهة العصيان بفعل ما نهي عنه إلاّ أنها تخالفها في أمرين:
الأول:
إن الصلاة في الدار المغصوبة لا يترتب عليها من المفسدة ما يترتب على أداء الفعل المكلف به مع خشية الهلاك، وتباين المفسدة في المحلين يجعل القياس مع الفارق.
الثاني:
أن الوصف في مسألة الصلاة في الدار المغصوبة وصف مجاور منفك عن المنهي عنه وهو - على ري جمهور الأصوليين - يصحح الصلاة لعدم تعلق النهي بها.
أما في أداء الصوم مع المشقة الفادحة، فإنها في خصوص ذلك المكلف فإن المشقة تلازم الفعل المكلف به ولا تنفك عنه بحال ما دام السبب المدخل للمشقة قائمًا، والجمهور على أن الوصف الملازم للمنهي عنه يعود عليه بالبطلان، وهذا فارق آخر يضعف هذا القياس بل يسقطه.