أما قبل:
فقد حظي كتاب ابن سلام باهتمام كثيرٍ من النقاد والدارسين، وأكاد أزعم أنه لا يخلو كتاب في النقد أو الأدب من ذكر ابن سلام وطبقاته. وقد وقفت على العديد من تلك الكتب التي تعرض أصحابها لطبقات ابن سلام، ورأيت أن بعضهم كان مدفوعًا وهو يتحدث عن النقد الأدبي عند العرب إلى التعرض لذكر مصنف ابن سلام لأنه فقط يمثل البداية التي لا يمكن إغفالها، ولمّا كانت العجالة هي سمة تلك الدراسات فإن أصحابها تسرعوا في إصدار الأحكام وأغفلوا بعض جوانب الكتاب وقضاياه الهامة [1] .
أما البعض الآخر فكان أكثر عناية بالكتاب ومباحثه، إذ دفعهم الإعجاب بمقدمة ابن سلام النظرية وعقليته العلمية ـ على حد رأيهم ـ إلى تناول قضايا الكتاب وإظهار الرأي فيها. ولأنهم ـ في الغالب ـ اتبعوا الطريقة الانتقائية فيما تناولوا من قضايا الكتاب، واستغنوا ـ غالبًا ـ بما أجمله ابن سلام في مقدمته عن البحث في ثنايا الكتاب، فقصروا في البحث عن مقاييس ابن سلام النقدية أو بعضها، وأغفلوا ذكر بعض القضايا التي يعد ابن سلام أبا عُذْرَتِها [2] ، رأيت لكل ذلك وبعد طول نظر أن أحبّر هذا البحث الذي يستعرض أبواب الكتاب وفصوله، ويقف على مباحثه وقفات منقرة، ويناقش قضاياه النقدية، ويبين ما لها وما عليها، ويحاول الوقوف على ما استقر في ثناياه من ضوابط النقد الأدبي ومعاييره الفنية.
هو أبو عبد الله محمد بن سلاّم بن عبيد الله بن سالم الجمحىّ البصرىّ، مولى قُدامة بن مظعون الجمحىّ بالولاء، ولد بالبصرة سنة 139 هجرية، 756 ميلادية، وتوفى في بغداد سنة 232 هجرية،847 ميلادية. نشأ في البصرة بيئة علماء العربية الأوائل وفحولها، والتقى كثيرًا من علماء اللغة والنحو ورواة الأدب والأخبار الثقات، وسمع من شيوخ العلم والحديث والأدب وروى عنهم، فحدّث عن حماد بن سلمة، ومبارك بن فَضَالة، وزائدة بن أبى الرُّقاد، وأبى عَوَانة، والأصمعى، وأبى عبيدة ...
وقد اشتهر بسعة علمه وصدق روايته، وممن روى عنه من الثقات: أحمد بن يحى ثعلب، وأبو حاتم السجستانى، وأبو الفضل الرياشى، والمازنى، والزيادىّ، وأحمد بن حنبل، وابنه عبد الله بن أحمد، وأبو خليفة الجمحى. وقد ذكر صاحب الفهرست أن لابن سلاّم إلى جانب"كتاب طبقات فحول الشعراء"ثلاثة كتب أخرى هى: الفاصل في مُلَح الأخبار والأشعار، وبيوتات العرب، والحلاب وأجر الخيل، وأضاف ياقوت كتابًا رابعًا هو: غريب القرآن [3] .
(1) هوامش البحث
راجع مثلًا: فتحى عامر: من قضايا التراث العربى، ط. منشأة المعارف بالإسكندرية سنة 1985 م، ص 15 وما بعدها. وهند حسين طه: النظرية النقدية عند العرب، ط. وزارة الثقافة، العراق 1981 م، ص 134 وما بعدها.
(2) راجع مثلًا: إحسان عباس: تاريخ النقد الأدبى عند العرب، ط 5 دار الثقافة بيروت 1986 م، ص 78 وما بعدها. وعبد العزيز عتيق: تاريخ النقد الأدبى عند العرب، ط 4 دار النهضة العربية بيروت 1986 م، ص 281 وما بعدها.
(3) راجع ترجمته فى: ـ محمد بن إسحق النديم، الفهرست، ص 165، ط. دار المعرفة، بيروت 1978. ـ أبو البركات عبد الرحمن بن محمد الأنبارى، نزهة الألباء في طبقات الأدباء ص 110 ط. جمعية احياء مآثر علماء العرب. ـ جلال الدين السيوطى، بغية الوعاة في طبقات اللغويين والنحاة، ط.= مطبعة السعادة 1326 هـ. ـ ياقوت بن عبد الله الحموى، معجم الأدباء، ج 18، ص 204، ط. دار الفكر العربى بيروت 1980. ـ كارل بروكلمان، تاريخ الأدب العربى، ترجمة عبد الحليم النجار، ج 2، ص 152 ط. الثالثة، دار المعارف، مصر 1974.