إن كتاب طبقات فحول الشعراء من أقدم كتب النقد الأدبي [1] ، ومؤلفه من أوائل النقاد الذين اعتنوا بالشعر والشعراء؛ فهو أول من خص النقد الأدبي بدراسة مستقلة بعد أن كان جُملًا وفقرات متناثرة في بطون الكتب [2] .
افتتح ابن سلام كتابه بمقدمة قيِّمة تعكس أهمية الكتاب وغايته ومنهجه، أما أهمية الكتاب فتتجلى في عدة أمور؛ منها: اهتمامه بالشعر العربى القديم، وحيوات قائليه وأحوالهم، يقول:"ذكرنا العرب وأشعارها، والمشهورين المعروفين من شعرائها وفرسانها وأشرافها وأيامها، إذ كان لا يحاط بشعر قبيلة واحدة من قبائل العرب، وكذلك فرسانها وساداتها وأيامها، فاقتصرنا من ذلك على مالا يجهله عالم، ولا يستغنى عن علمه ناظر في أمر العرب، فبدأنا بالشعر [3] ".
وهو في عمله هذا لا يهدف إلى جمع أشعار القدماء والحديث عن أخبارهم وأيامهم فحسب، بل إن هدفه الرئيس هو تخليص ذلك الشعر مما علق به من شوائب، وما أضيف عليه من مصنوع مُفْتَعَلٍ، ثم التنبيه على مكانة كل شاعر ومنزلته بين شعراء عصره.
ولكى يحقق ابن سلام هذه الغاية نراه قد استعرض معظم المقاييس النقدية التي كانت سائدة في عصره، ثم حدد بعض الثوابت التي سيأخذ بها؛ من ذلك ما نراه من تبرير رفضه الأخذ بما ورد في بطون الكتب من أشعار، يقول:"وقد تداوله قوم ـ أى الشعر ـ من كتابٍ إلى كتابٍ، لم يأخذوه عن أهل البادية، ولم يعرضوه على العلماء. وليس لأحد ـ إذا أجمع أهل العلم والرواية الصحيحة على إبطال شئ منه ـ أن يَقبل من صحيفة، ولا يروى عن صُحُفى [4] "، ومنها ما نراه من اِلتزامه برأى الجماعة حين يقول:"وقد اختلفت العلماء بعد في بعض الشعر، كما اختلفت في سائر الأشياء، فأما ما اتفقوا عليه، فليس لأحد أن يخرج منه [5] ". ثم تحدث عن أهمية عمل الناقد وما ينبغى أن يتزود به من صنوف العلم والثقافة، إضافة إلى الذوق والفطرة؛ والدربة والممارسة [6] ، وذلك لكى يتمكن من القيام بالمهام الملقاة على عاتقه، والتى منها إضافة إلى تمييز الجيد من الردئ؛ تخليص ذلك الشعر مما دخله من مصنوع.
وفى مقدمة كتابه تحدث أيضًا عن الكثير من الأمور التي تتعلق بالشعر وبداياته، وبعض ما أصابه من عيوب وآفات تتعلق بالنشأة الأولى وتدلل عليها، وأبرز أخبار الشعر والشعراء، وما طرأ على الشعر في الإسلام .. ، وكذلك اللغة العربية وأول من تحدث بها، والنحو العربى ونشأة مباحثه وتطورها .. ، وقبل أن يشرع في بناء طبقاته حدد المنهج الذى سيسير عليه بقوله:".. فاقتصرنا من الفحول المشهورين على أربعين شاعرًا، فألَّفْنا مَنْ"
(1) إن كتاب فحولة الشعراء لأبى سعيد عبد الملك بن قُرَيب بن عبد الملك الأصمعى ـ ولد في البصرة سنة 122 للهجرة، وتوفى فيها سنة 216 للهجرة ـ هو أول كتاب جمع آراء عالم من علماء العربية في الشعر والشعراء. وقد وُصِفَت تلك الآراء بالميل إلى البساطة والإيجاز والتعميم في الأحكام، وتقديم شاعر على شاعر بكلمة. يقول بدوى طبانة:"وكتاب فحولة الشعراء كما يبدو من أسلوبه لم يكتبه الأصمعى بخطِّ يده، ولا أملاه على واحد من تلاميذه، وإنّما هو مجموعة من الأسئلة في الشعر والشعراء توجه بها أبو حاتم السجستانى إلى الأصمعى، فأجابه بتلك الأجوبة التى نرى فيها أثر الارتجال، ونرى فيها الأحكام الموجزة التى يقل فيها أثر الدرس والتعليل."بدوى طبانة: دراسات في نقد الأدب العربى، ص 154، ط 5، الانجلو المصرية، القاهرة 1969. وانظر كتاب الأصمعى، فحولة الشعراء، تحقيق المستشرق ش. تورّى، ص 9، الطبعة الثانية. دار الكتاب الجديد. لبنان 1980
(2) وكتاب ابن سلام يمتاز على كتاب الأصمعى بأنه أكبر منه وأجمع، ويقوم على منهج في دراسة الشعراء وبناء طبقاتهم، والنظر إلى أشعارهم، بخلاف كتاب الأصمعى فهو صغير يتناول بعض الشعراء في غير منهج مرتب، كذلك كان لكتاب ابن سلام أثر كبير في النقد. محمد زغلول سلام، تاريخ النقد العربى إلى القرن الرابع الهجرى، ص 96، طبعة دار المعارف بمصر.
(3) محمد بن سلام الجمحى: طبقات فحول الشعراء، تحقيق محمود محمد شاكر، مطبعة المدنى. القاهرة، 1/ 3.
(4) طبقات فحول الشعراء 1/ 4.
(5) السابق 1/ 4.
(6) راجع: السابق 1/ 5 ـ 7.