فهرس الكتاب
، مشغولا وعيه بحضور حيوى لربه على الدوام. أما دعوة الإسلام إلى توحيد الله تعالى، فكانت جديدة، بالنظر إلى ما وقع فيه معظم البشر على نحو متكرر من الخلط بين الإله الحق وبين كائنات أو قوى أخرى، أو أهواء بشرية، مما أفسد توحيدهم.
وأكد الإسلام في معرض سعيه إلى إنقاذ البشرية، والتاريخ البشرى كله مما لحق بهما من خسارة في مضمار التوحيد، أن توحيد الألوهية والربوبية كان معروفا لآدم، أبى البشرية جمعاء، ولذريته من بعده. واعتبر غيابه حيثما لم يكن التوحيد جليا، بمثابة انحراف بشرى عن الصراط المستقيم.
واستحضار هذه الوحدانية في العقل هو ما يسميه الإسلام الإيمان أو الخبرة الدينية، أو اليقين. وهذا الاستحضار ليس فعلا إيمانيا أو قرارا، يتخذه المرء قبل تحصيله الدليل الحاسم على صحته، ولا هو بالقرار المعتمد على تقديره دون توفر الحجة البالغة واليقين الدامغ، ولا هو بمراهنة على شاكلة ما يقوله بسكال. بل هو أمر لا يجد المرء أمام برهانه وصدقه مناصا من التسليم له، تماما كتسليمه بصدق نتيجة نظرية هندسية. ويقرر الإسلام، أن إدراك الإنسان لوحدانية الله تعالى يماثل وعيه بمعطى لا سبيل إلى إنكاره. فحقيقة التوحيد عقلانية ونقدية وحتمية، تماما كالمعطيات الوجودية الواقعية.
ومعنى وحدانية الألوهية، أنه لا إله إلا الله، وأنه ليس في الوجود شئ يشبهه بأى درجة كانت، وهو بالتالى لا شريك له البتة. فهو سبحانه المتفرد بخلق كل ما هو كائن، وهو المالك لكل شئ، والمنعم، والرزاق، والحكم، والفعال لما يشاء. وإرادته هى القانون الحاكم للطبيعة، والمعيارللسلوك الإنسانى، وهى الخير الأسمى.