الصفحة 137 من 334

ويأسر مثل هذا الوعى من جانب الإنسان لبه تجاه نفسه والعالم من حوله على الفور. فهو وعى يتملك نفس صاحبه على نحو يملأها بالخوف والرجاء معا. ومن شأن استيلاء هذا الوعى على نفس الإنسان، أن يحيا حياته بكل جوانبها، بما فيها أدق أسراره الشخصية، في ظل استحضار مراقبة الله الذى لا تعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، ووفق المعايير المتمشية مع الإرادة الأهلية المتعلقة بكل ما في الوجود، وفى ظل الإحساس بحساب وشيك ينتظره، موازين العدالة فيه مطلقة. ولا يمكن تصور وضعية أكثر من هذه الوضعية في الانضباط الذاتى الكامل، والتحفيز الذاتى الفعال.

ففى منظور هذا الوعى بوحدانية الله تعالى، يرى الإنسان أن كل شئ مخلوقا لغاية، و محل رعاية دائمة في كل زمان ومكان ممن خلقه لتلك الغاية. والكون لا يعمل بقانون آلى، ولا بحتمية نابعة من مصير مجهول، ولا هو يعمل على شاكلة الساعة بعد الفراغ من صنعها. بل هو كون يعمل برعاية وتدبير من الله تعالى المنعم، الذى شاءت إرادته أن يمد الإنسان بالمجال المكانى والزمانى، وبالمادة التى يكون فعله فيه وبها، فعالا من المنظور الوجودى.

وفى ضوء ذلك، فإن أبواب العلوم الطبيعية والإنسانية والتكنولوجيا مفتوحة على مصراعيها، إلى أقصى حدود التجريب التى هى في مقدور الإنسان، دون الوقوع في أدنى قدر من الاغتراب أو من الانفصال عن عالم القيمة الأخلاقية والجمالية. فالحقيقة والقيمة تأتلفان في هذا التصور معا، بوصفهما معطى واحدا، مصدره هو الله، وهو محقق للمشيئة الإلهية. والعالم الدنيوى، وفق هذا التصور، عالم حى، لأن كل ذرة فيه تتحرك بأمر الله، معتمدة عليه، ومحققة لقيمة يريدها سبحانه وتعالى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت