الصفحة 315 من 334

ولا شئ يسمو على تتويج المرء حياته بالشهادة في سبيل الله. ومن بين الشواهد القرآنية الدالة على ذلك، قول الله تعالى:"وَلاَ تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبيلِ اللّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاء وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ"، وقوله جل وعلا:"وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ"، وقوله سبحانه:"لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ وَأُوْلَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ {88} أَعَدَّ اللّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ" [1] .

الفصل الثالث عشر

التوحيد: مبدأ الجمال

أولا: الوحدة الفنية الإسلامية وتحدياتها: من الخطل المنازعة في وحدة الفن الإسلامى. فعلى الرغم مما قد يلمسه المؤرخ لذلك الفن من تنوع كبير في موضوعاته ومواده وأساليبه الفنية، المتمايزة بمعيارى الجغرافيا والتسلسل الزمنى، فإن الحقيقة الدامغة تظل متمثلة في وحدة الفن الإسلامى كله من حيث الغاية والشكل، مهما اختلفت الأماكن والحقب. فبمجرد الدخول في الإسلام، كشفت الفنون من قرطبة إلى مندناو عن وحدة في الخصائص التكوينية، وعن تجنب محاكاة الطبيعة، والوصف التشخيصى والتطوير، وعن تحبيذ التنميط، والشكلية المولدة للحركات، واللامحدودية.

ولجأت كل الفنون الإسلامية إلى القرآن الكريم، واستخدمت كلمات بليغة تهز الوجدان منه، ومن الحديث النبوى والشعر العربى، والفارسى، ومن جوامع الحكمة الإسلامية، ورسمتها بالخط العربى. وبالمثل تجاوب المسلمون جميعا في كل العصور من صميم قلوبهم مع نداء الصلاة، ومع التلاوة القرآنية المجودة، حتى بالنسبة لغير الناطين باللغة العربية، ممن لا يفهمون من معانيها العربية إلا النذر اليسير، أو حتى لا يدركون معانيها بالعربية بالمرة. وهم في مثل هذه الحالات لا يتفاعلون معها بملكة التعقل والفهم، بل بملكات الحس والحدس التى تتحرك بكاملها بإدراك جلى لقيمها الجمالية. ويتماثل ذلك الفهم الجمالى في قوته، مع الفهم النظرى لمن لديهم القدرة على قراءة تلك النصوص وفهم معانيها. ذلك أن مكان الصدارة في فهم القيمة الجمالية يكون للحدس المباشر على الدوام. أما فهم الخطاب، فيعد مجرد عامل ثانوى مساعد له فحسب.

ولقد بلغت قوة القيم الجمالية للإسلام، و الوحدة الجمالية التى شكلتها من توليفة من الثقافات بالغة التنوع، حدا يشعر معه الرحالة أينما سار من الشواطئ الشرقية للمحيط الأطلسى، إلى الشواطئ الغربية للمحيط الهادى، أنه يسير في أرض تجمع بينها العمارة الإسلامية المزينة بالزخرفة العربية -الأربيسك -، وبفنون الخط العربى. وبوسع مثل ذلك الرحالة أن يلاحظ التطابق بين كل تلك المناطق في الحساسية للقيم التى جاء بها الإسلام، في الفنون الخطية والمرئية والموسيقية، في الحياة اليومية للسكان، على اختلاف أعراقهم وألوانهم ولغاتهم وأساليب حياتهم [2] .

ونود أن نحيل القارئ إلى مقالة بعنوان"تصورات خاطئة عن طبيعة الفن الإسلامى"، استعرضنا فيها عينة مما يعرف بإطروحات المستشرقين في حقول الزخرفة والرسم والعمارة والأدب والموسيقى ونظرية

(1) البقرة:154، آل عمران:169، التوبة:88 - 89.

(2) الدليل على صحة ما ذهبنا إليه، هو حقيقة التماثل في القيم الجمالية السائدة في كل أرجاء العالم الإسلامى. وعلى قمة الهرم القيمى، تقف مناقب التفنن في نسخ القرآن الكريم بخط عربى يدوى جميل، وتزيين المنازل والمساجد والمبانى العامة بآيات قرآنية، وترتيل القرآن الكريم بصوت رخيم وفق قواعد تلاوة نسقية سهلة، واقتباس عبارات منه في زخرفة لوحات فنية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت