يقول الحق سبحانه:" {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا} [1] ."
ويخبرنا القرآن في موضع آخر أن الملائكة تعجبوا حين أعلمهم الله بخلقه آدم، كمخلوق يختلف عنهم في قدرته على فعل الخير وعلى فعل الشر، وبين الله لهم قصور علمهم، ومنح الإنسان مكانة أسمى. يقول الله تعالى:"وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ [2] ."
فقدرة الإنسان على فعل الشر، تشكل خطرا محتملا على موجودات الكون. إلا أن ذلك الخطر لا يقارن بالوعد العظيم الذى يمكنه تحقيقه بإنعام الله عليه بالحرية. فما أراد القرآن التأكيد عليه في هذا المقام، هو أن الإنسان ينفرد بإمكانية تحقيق القيمة الأخلاقية، لأنه هو الوحيد من بين المخلوقات المتمتع بالحرية المطلوبة لذلك. وهو الوحيد الذى قد يسعى لتحقيق منظومة القيم بكليتها، لامتلاكه العقل والرؤية المطلوبتين لمثل هذه المهمة. فلقد أنعم الله عليه من لحظة خلقه له، وأعطاه نصيبا من الحكمة،، ورفع مقامه عن منزلة الملائكة، وامرهم بالسجود تكريما له. يقول الله تعالى:"َوعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاء كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلاَئِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاء هَؤُلاء إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ {31} قَالُوا سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ {32} قَالَ يَا آدَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَآئِهِمْ فَلَمَّا أَنبَأَهُمْ بِأَسْمَآئِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ"
(1) الأحزاب:72.
(2) البقرة:30.