الصفحة 139 من 334

وقوام هذا المعنى أو الخير الذى هو غاية الخليقة كلها، في منظور الإسلام، هو تحقيق المشيئة الإلهية. وبينما تتحقق تلك الإرادة الإلهية على نحو لا إرادى في غير عالم الإنسان، باضطراد السنن الإلهية الكونية، فإنها تتحقق في شق من عالم الإنسان بذات الطريقة، كما هو الشأن في وظائف الجسد الإنسانى العضوية والنفسية، بينما تتحقق في الشق الآخر المتعلق بالوظائف الأخلاقية على نحو إرادى حر. وبالوظائف الأخلاقية تتحقق القيم الأخلاقية، التى هى أسمى مقومات هذا الوجود، وسنام الأوامر التكليفية الإلهية.

وتتضمن الإرادة الإلهية أوامر تكليفية خاصة بنظام أدنى يتعلق بأمور الغذاء والنمو والمأوى والراحة والجنس وما شابه ذلك، لأن كل شئ في الوجود له نصيب من غاية الخلق الإلهية، ويساهم في تحقيقها وفق نظام هرمى مناسب له. وفى هذا السياق، يشارك الإنسان في تحقيق الإرادة الإلهية. إلا أن رسالته تقع ضمن المجال الأخلاقى الذى لا تتحقق فيه إرادة الله إلا بفعل حر مسؤول، إى في ظل إمكانية عصيان الإنسان ما أمر به. وهذا هو مناط القول بأن الإنسان خليفة بأمر الله في الأرض، لأنه هو المخلوق الوحيد الذى يستطيع تحقيق القيم الأخلاقية العليا، وهو الوحيد الذى بمقدوره أن يجعل تحقيقها في الوجود كله غاية له. فهو شبيه بجسر كونى، يمكن عبره تنفيذ الإرادة الإلهية في شموليتها بوجه عام، وفى شقها الأخلاقى الأعلى بوجه خاص، في معطيات المكان والزمان، وتحويلها إلى واقع فعلى معاش.

ويخبرنا الله تعالى في نص قرآنى بليغ، أنه عرض تلك الأمانة على السموات والرض، فأشفقن منها، وأن الإنسان انفرد وحده بحملها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت