الصفحة 204 من 334

نفسه في تفرده وعزلته، تشكل وحدها عالم القيم، أو تمثل القيم العليا التى يجب التضحية بكافة ما عداها من قيم في سبيلها.

والقول بأن عالم القيم قاصر على تلك القيم الشخصية، يعنى التعامى عن حقيقة جلية هى وجود قيم أخرى، على نحو يمثل نزعة أخلاقية أحدية حصرية وقسرية. أما القول بأن تلك القيم الشخصية جديرة بالتضحية بما عداها من قيم من أجلها، فيتضمن نوعا من فقدان الإحساس بالقوة المحركة الحقيقية المتضمنة في القيم الأخرى، وحكما زائفا على تراتبية القيم، بل هو نفى للغاية النهائية للقيم. ولا غرابة في ضوء ذلك، أن عاش كل من اختاروا حياة العزلة من البشر، من النساك والزهاد على مدى التاريخ، حياة ملؤها الضنك والإسراف والقسوة [1] .

وحيثما يتم تحديد البعد الأخلاقى من مدخل شخصى، فإنه تنبثق منه بالضرورة نزعة فردية، نهاية منطقها هى: الأنانية. ذلك أن هذا التحديد يعتمد في التحليل الأخير على المحددات الداخلية للفاعل الأخلاقى التى لا حكم عليها غير ضميره. وقد يصبو الفاعل الأخلاقى إلى أنبل المثل وأكثرها إيثارا. إلا أن ما يجعل إرادته أخلاقية ليس نبل مضمونها، ولا غيرية محتواها عل مستوى النية، بل الطريقة التى تتجسد بها في أرض الواقع. فجعل المرء قراره الداخلى الشخصى هو المحدد الذى له الأولوية، أو هو المحدد الحصرى الوحيد لبنية الأخلاقية، يجعل منه شخصا أنانيا، هاجسه الدائم هو نفسه. وإن قال قائل بأن الانشغال بالنفس، نابع بحد ذاته من نزعة إيثارية، كما هو حال الشخص القدوة الثابت على رأيه، فإنه يقابل بضرورة التسليم بأنه كلما تعاظم السلوك الأخلاقى المرتبط بشدة الإنخراط في العلاقات مع الطبيعة ومع غيره من البشر، كلما تدنت حميمة المثالية المتضمنة في ذلك السلوك سواء بالنسبة للفاعل الأخلاقى أو للجنس الآدمى. ومن هنا يميل صاحب هذا التوجه إلى تفضيل المثالية على الإنخراط الفعلى قى حومة الواقع.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت