الصفحة 203 من 334

:"والذى نفسى بيده، لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر، أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عذابا من عنده، ثم لتدعونه فلا يستجاب لكم" [1] .

وبوسعنا أن نخلص إلى المزيد من مبررات وجود الأمة، عبرتحليل الوعى الأخلاقى والأخلاق الشخصية. فالوعى الأخلاقى يكشف عن حقيقة وحدة الأمر الأخلاقى، وأن المضامين المستنبطة منه لا تطبق، ولا يكون لها معنى، إلا ضمن شبكة العلاقات بين الإنسان والطبيعة والبشر التى يعيش الفاعل الأخلاقى في سياقها. وترتيبا على حقيقة أن عبادة الله تعالى، تتمثل في تحقيق مشيئته، وكينونة القيم في تلك المشيئة، بمعنى أنها الجوهر الذى يستمد منه كل شئ قيمته، فإنه إذا كانت علة وجود الإنسان على الأرض هى عبادة الله تعالى، فإنه يغدو لزاما عليه أن يرابط في ساحة العلاقات البشرية المتبادلة، التى يمكن تجسيد القيم الأخلاقية بواسطتها.

وتماما كما أنه يستحيل أن نطلب من روح انفصلت عن جسدها، ولم تعد مرتبطة بالزمان والمكان، أن تجسد القيم النفعية، فإن من الهراء توقع تجسيد القيم الأخلاقية في أرض الواقع، بواسطة راهب ناسك في صومعته، غير مرتبط بغيره من البشر بعلاقات تجارة وصداقة ومصاهرة وجيرة وإنتاج واستهلاك للسلع المادية، وحرب وسلام، وتجربة وحكم، ورسالة وتعليم، واستجمام وتمتع بالجمال، وعلاقات مؤاخاة.

وتظل القيم الأخلاقية جواهر مثالية متعالية، ما لم تَُفَعل في صميم بنية العلاقات بين البشر في مختلف مجالاتها. فالأخلاقية تفترض هذه العلاقات، وهى مستحيلة بدونها. ومقتضى هجر علاقة إنسانية ما، مع الوجود، أو الانسحاب منها، هو الحكم على القيمة المرتبطة بها، أى على القيمة التى تمثل تلك العلاقة أداة تفعيلها، بعدم التجسد في أرض الواقع. ومعنى ذلك، أن حياة العزلة التى يحياها صاحب النزعة الفردية، أو الناسك، أو الزاهد، أو الراهب، تعنى في التحليل الأخير تقليص عالم القيم. ذلك أن المبدأ الإرشادى لهذا النمط من الحياة هو اعتبار أن القيم المتضمنة في وعى الفاعل الإنسانى، وفى روحه هو

(1) راجع في التفصيلات: تفسير الآية 89 من سورة المائدة، فى: اسماعيل بن كثير، تفسير القرآن العظيم، بيروت: دار المعارف، 1388هـ / 1969،ج2، ص 83 - 84.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت