الصفحة 206 من 334

ومن هنا فإن أساس واحدية الأمة دينى أخلاقى وليس بيولوجى أو جغرافى أو سياسى أو لغوى أو ثقافى. ولهذا السبب سمى النبى صلى الله عليه وسلم اليهود أمة رغم كونهم يعيشون في نفس المحلة التى يعيش فيها المسلمون، وينتمون إلى نفس الجماعة السياسية واللغوية والثقافية. إلا أنهم لما كانت عقيدتهم الدينية والأخلاقية مختلفة، فإن النبى اعتبرهم أمة قائمة بذاتها. ولا يعترف الإسلام بتأسيس أى أمة على آصرة النسب أو الجغرافيا أو السياسة أو اللغة أو الثقافة. فقط يعترف الإسلام بالأمم المؤسسة على الدين. بتعبير آخر، لا يقر الإسلام تقسيم البشر وفق القوم والعرق والدولة والقارة على شاكلة ما هو معروف في الثقافة الغربية الحديثة.

ولا يعنى ما سلف نفى حقيقة أن الوحدة الدينية للأمة قابلة لأن تتعزز بهذه الأشكال الفرعية الأخرى من الوحدة، ولأن تتكامل معها. فالوحدة في الفضاء المكانى أو الجغرافيا، وفى اللغة والثقافة، وفى النسب والعرق، يمكن أن تساعد، بل هى تساعد في الحقيقة بالفعل في تعزيز الوحدة الدينية. فمن مبادئ الشريعة الإسلامية أن"الأقربون أولى بالمعروف" [1] . وكل ما يقرره الإسلام في هذا الصدد هو عدم السماح لأى نوع من أنواع القرابة المادية بأن يقرر سلوك الفرد المسلم أو الجماعة المسلمة، بحيث يعلو على العامل الدينى والأخلاقى. يقول الله تعالى:"يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ" [2] . ومن الواضح أن القرابة الطبيعية تابعة للفضيلة والتقوى، وثانوية بالمقارنة مع القيمة الأخلاقية والجدارة الشخصية، وليس العكس.

أساس الأمة إذن، ليس مسألة مولد وجغرافيا ولغة. فهذه العوامل خارج إرادة الفرد، وفى حكم الضرورية. أما الأمة بوصفها أخوة دينية أخلاقية، فهى رابطة حرة بين أفراد بهدف تجسيد عالم القيم، وبالمفهوم الإسلامى التقليدى"تحصيل السعادة في الدارين الدنيا والآخرة"، لأنفسهم وللإنسانية جمعاء. والإنسان لا يولد فيى تلك الأمة بالصدفة العمياء دون اختيار

(1) الأقربون أولى بالمعروف واحد من المبادئ العامة للتشريع في الإسلام.

(2) الحجرات:13.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت