الصفحة 207 من 334

منه، بل بصفة كونه إنسانا راشدا يختار ويقرر الإنضمام إليها. وهى بالتالى ليست جماعة طبيعة، بل هى مجتمع ناشئ عن قرار حر.

ومع بداية الحركة الإسلامية عقب الهجرة إلى المدينة المنورة، وفى العام الهجرى الأول، كانت القبيلة بوصفها الشكل البسيط للجماعة الطبيعية الفطرية، والإمبراطورية بوصفها مجتمعا سياسيا مؤسسا على العرق واللغة والثقافة والتاريخ، معروفتين وتزدهران. وجاء الإسلام فعصف بهما معا، وأسس مجتمعا نقيا حرا قائما على أخوة عالمية تحت لواء الشريعة الدينى والأخلاقى، ودعا كل البشر إلى الإنضمام إليه. وكان هذا، ولا يزال هو أعظم إبداع في التاريخ الإجتماعى للإنسان. حقيقة أن المسيحية نجحت في إقامة مجتمع من بين مرتكزاته: الدين والأخلاق. إلا أن المحتوى الدينى والأخلاقى اللازم للتنصير في ذلك المجتمع تم تقليصه - للأسف - إلى الحد الأدنى، بحصره في مجرد فعل الإيمان الذى يسمو على التجريب، وأخلاقية النية في أنقى صورها. وكلا الأمرين سرى وباطنى، ويعتمد بالكلية على ضمير الفرد في تنفيذه و نقده و تقويمه.

وبمجرد إضفاء طابع عام أو مجتمعى يعتد به على مضمون المسيحية، انقسم العالم المسيحى على نفسه بخصوصه، وعاد جزء منه إلى الأشكال المجتمعية المؤسسة على الروابط الفطرية التى كانت قائمة قبل مجئ المسيحية. وعكست الانقسامات الكنسية المبكرة التى ظهرت في المجمع المسكونى في كل من نيقية وخلقدونية، إلى حد بعيد المواجهة بين التقاليد السامية والطائفية الإغريقية. وبالمثل كان الانشقاق الكبير الذى حدث عام 1058 معبرا عن الانقسام بين الشرق والغرب. وأخيرا، كان للتوجهات القومية للألمان والإنجليز والهولنديين والإيطاليين، في ظل حركة الإصلاح في القرن السادس عشر، القدح المعلى في تقرير محصلة الأطروحات الخمس والتسعين التى اقترحها الراهب الكاثوليكى مارتن لوثر، الثائر على الكنيسة الكاثوليكية، على رؤسائه [1] .

(1) للإطلاع على تفصيلات التاريخ الفكرى للكنيسة، راجع: Chris Maunder ,Documents of of the Christian Church, edited by:H enry Bettenson, Oxford: Oxford University Press , 1963 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت