عضويته، أى في علاقة الاعتماد المتبادل بين مختلف أعضائه، بهدف مدالجسد كله بأسباب البقاء، وتلقيها بدورها أسباب بقائها من ذلك الكل. وصفة العضوية بالتالى ليست نوعية حياة، بل هى الحياة ذاتها. ذلك أن افتقاد الأمة لهذه الصفة، يعنى نكوصها على أدبارها في قبلية جاهلية ما قبل الإسلام. بل إن نظام الأمة العضوية مبنى هو ذاته على عضوية مفترضة للقبيلة، لا يمكنها البقاء بدونها. وما الأمة إلا بنية أكبر، بها يتوسع مفهوم القبيلة ليشمل الإنسانية كلها.
وعلى ضوء ذلك، فإن إنكار العضوية، أو إنكار الحاجة إلى الأمة، يعنى التسليم بخيرية وجود أفراد لا رابطة بينهم، كل منهم معزول عن الآخر، على نحو لا يستحيل فيه الإسلام فحسب، بل تستحيل الحضارة أيضا وبذات الدرجة، وتغدو الحياة الإنسانية ذاتها مستحيلة ولا محل للتفكير فيها.
واحتمال المغالاة في درجة الاعتماد المتبادل وارد. فمن الممكن أن تصل درجة كثافة الاعتماد المتبادل حدا، يصير الإنسان الفرد معه مجرد ترس في بنية أو آلة أكبر، لا تأبه بمتطلبات ارتقائه بنفسه وتحقيقه لذاته وتحصيله لسعادته. ورزح الوعى الإنسانى على الدوام تحت وطأة شرور التأطير الإنضباطى والنزعة الجماعية، سواء في عصر القبيلة أو المدينة أو القومية أو المجتمع العالمى. والمخرج الذى يصفه الإسلام للتخلص من تلك الآفة، هو، مرة أخرى: التوازن. ويعلن الإسلام أنه يسعى إلى تحقيق فلاح الفرد وفلاح الجماعة معا. ويشق الإسلام طريقه في وسطية بين الفردية المسيحية والقبلية اليهودية المطلقة، وجاهلية ما قبل الإسلام، مؤكدا على قيم الوسطية، ونافيا لرزيلتى الإفراط والتفريط على طرفى متصل العلاقات بين البشر.
د- إمكانية إقامة الأمة: إيجاد أمة على الشاكلة التى سبق بيانها ليس أمرا ممكنا وحسب، بل هو الشرط الوحيد للنجاح، بل لصناعة التاريخ. فلم يحدث على مدى التاريخ أن أ قيم مجتمع أو دين أو قبيلة أو دولة أو إمبراطورية، أو صنع تاريخ، أو تم إحراز نجاحات، إلا في ظل تحقق روح الأمة بدرجة ما. وكلما تعاظمت