مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ". [1] "
ومن الواضح أن هذا الوسط الذهبى هو نقطة وسط بين مهدورين: الإفراط والتفريط، وهو أيضا توازن بين نمطين للسعى لتحقيق نفس القيمة بالتأليف بلباقة بينها وبين كافة القيم الأخرى، مع إعطاء كل منها وزنها الذى تستحقه. [2]
(4) أمة عضوية: الأمة وحدة عضوية، بمعنى أن الأمة شبيهة بالجسد العضوى الواحد الذى تترابط أعضاؤه بعلاقة اعتماد متبادل فيما بينها من جهة، ومع الجسد كله. فقيام العضو بوظيفته يخدم كل جزء آخر فيه، ويخدمه في كليته. وفى المقابل، فإن عمل الجسد كله يصب في صالح كل جزء فيه. ومن بين ما وصف الله تعالى به المتقين المفلحين أنهم:"وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ" [3] ووصف أصحاب النبى بأنهم:"مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا" [4] .وأصاب النبى كبد الحقيقة، حين وصف الأمة بأنها"كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا"وحين شبهها"بالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالحمى والسهر"
وربما يكون الحديث النبوى السالف الذكر الذى يشبه الأمة بالجسد العضوى هو الوصف الأمثل للمجتمع الإسلامى. فالجسد العضوى حى. وحياته ذاتها ماثلة فى
(1) التوبة:34 - 25.
(2) انظر في التحليل الظاهراتى للقيم المتقابلة، الفصل الثانى من المجلد الثانى من: Nicola Hartamann, Ethics , Tr. Stanton Coit, New York: Macmillan, 1932.
(3) الذاريات:19.
(4) الفتح:29.