وتفصيلا. فالشئ غير الطبيعى المكرر على نحو متماثل يعبر بالقطع عن اللاطبيعى. وإذا استطاع الفنان، أن يعبر جماليا بواسطة شئ غير طبيعى مكرر عن اللانهائية واستحالة الوصف، فإن النتيجة التى يصل إليها قد ترقى إلى مستوى التعبير الشفهى والخطابى عن شهادة أن لا إله إلا الله، لكون سمتى استحالة الوصف واللانهائية اللتين هما مضمون ذلك التصوير الفنى مستوحيتين كخاصيتين لغير الطبيعى. وهكذا وجدت الروح الإسلامية سبيلا للتناغم بين الفنون المنظورة والمبدأ الأول للوعى السامى. وظلت العقبة الكبرى عند الوصول إلى هذا الحد متمثلة فى: كيف يستطيع أى شئ في الطبيعة، مهما تم تنميطه، أن يكون وسيلة للتعبير عن اللانهائى واستحالة الوصف؟.
أ- الوعى العربى: خميرة الإسلام التاريخية: للتوصل إلى حل للسؤال سالف الذكر، لجأ الوعى الإسلامى إلى أساسه التاريخى المتمثل في الوعى العربى، بوصفه المادة التاريخية التى شكلها الوحى الإلهى، واستعملها كسياق اجتماعى لتنزله، وكمطية وحامل للحقيقة الربانية. وتجسد هذا الوعى في شخص النبى محمد صلى الله عليه وسلم، الذى تنزل عليه الوحى، وبلغه للجنس البشرى في هذه الحياة الدنيا بمكانها وزمانها. وكان هذا الوعى هو الوسط الذى جاءت فيه النبوة. وكان ما حققه في فن اللغة والأدب قبل الإسلام، يمثل معجزة بحق. واستوجبت تلك الحقيقة أن يكون نمط الوحى الجديد غاية في البلاغة الأدبية، بالنظر لاستعداد الوسط الذى تنزل فيه له، وقدرته على حمله وتبليغه.
واللغة العربية هى الأداة الأولى للوعى العربى، وفيها يتجسد بكل صنوفه. وتتألف اللغة العربية، في جوهرها، بالأساس، من ثلاثة جذور ساكنة، كل منها قابل للتصريف إلى ما يربو على ثلاثمائة شكل مختلف بتغيير الإعلال، بإضافة بادئة أو لاحقة، أو حروف وسيطة. وأيا كانت التصاريف الناتجة عن ذلك، فإن كل الكلمات المشتقة من جذر واحد،