الطبقة الثانية: جماعة ممن ضعف إيمانهم من أهل النفاق، وهم قتلة عثمان (1) وأتباع عبد الله بن سبأ الذين كانوا يسبون الصحابة الكرام، وهم الذين انخرطوا في عسكر الأمير وعدّوا أنفسهم من شيعته خوفًا من عاقبة ما صدر منهم من تلك الجناية العظمى، وبعض منهم تشبثوا بأذيال الأمير طمعًا في المناصب العالية ورفعة المراتب فحصل لهم بذلك مزيد من الأمنية وكمال الطمأنينة، ومع ذلك فقط أظهروا للأمير رضي الله عنه ما انطووا عليه من اللؤم والخبائث فلم يستجيبوا لدعوته وأصروا على مخالفته، وظهرت منهم الخيانة على ما نصبوا عليه، واستطالت أيديهم على عباد الله تعالى وأكل أموالهم، وأطالوا ألسنتهم في الطعن على الصحابة.
وهذه الفرقة هم رؤساء الروافض وأسلافهم ومسلّموا الثبوت عندهم، فإنهم وضعوا بناء دياناتهم وإيمانهم في تلك الطبقة على رواية هؤلاء الفساق المنافقين ومنقولاتهم، فلذا كثرت روايات هذه الفرقة عن الأمير رضي الله عنه بواسطة هؤلاء الرجال.
وقد ذكر المؤرخون سبب دخول أولئك المنافقين في هذا الباب وقالوا إنهم قبل وقوع التحكيم (2)
(1) انظر تفصيل ذلك كتاب"الخليفة المفترى عليه"صادق عرجون، فإنه - والحق يُقال - أفضل كتاب تناول بالتحليل شخصية أولئك القتلة المجرمين. وكذلك انظر كتابنا"عثمان رضي الله عنه"من سلسلة"شبهات حول الصحابة والرد عليها".
(2) لما حادث التحكيم من أهمية في التاريخ السياسي للدولة الإسلامية، فإنه من الضروري إجلاء حقيقة وقائعه، حيث أُسيء تصور هذا الحادث، بقدر ما أُسيء تفسيره، فنتج عن الأمرين خلط كثير وإساءة إلى مكانة الصحابة وقدرهم، حيث باتت القصة الشائعة بين الناس عن حادث التحكيم تتهم بضعهم بالخداع والغفلة، وتتهم آخرين بالصراع حول السلطة.
... وبإخضاع هذه الرواية للدراسة والتحليل يلاحظ عليها أمران: ضعف سندها واضطراب متنها.
... أما سندها ففيه راويان متهمان في عدالتهما وهما: أبو مخنف لوط بن يحيى وأبو جناب الكلبي. الأول: ضعيف ليس بثقة، والثاني: قال فيه ابن سعد: كان ضعيفًا، وقال البخاري وأبو حاتم: كان يحيى بن القطان يضعفه، وقال عثمان الدارمي: ضعيف، وقال النسائي: ضعيف.
... أما المتن فيلاحظ عليه ثلاثة أمور، أحدها: يتعلق بالخلاف بين علي ومعاوية - رضي الله عنهما. والذي أدّى إلى الحرب بينهما، والثاني: يتعلق بمنصب كل من علي ومعاوية، والثالث: خاص بشخصية أبي موسى الأشعري وعمرو بن العاص - رضي الله عنهما -.
... 1 - موضوع الخلاف بين علي ومعاوية رضي الله عنهما: من المعروف والمتفق عليه بين جميع المؤرخين أن الخلاف بين علي ومعاوية كان سببه أخذ القصاص من قتلة عثمان رضي الله عنه. فقد ظن معاوية أن عليًا قد قصّر فيما يجب عليه من القصاص لعثمان بقتل قاتليه، ومن ثمّ رفض بيعته وطاعته، إذ رأى القصاص قبل البيعة لعلي، وهو وليّ الدم لقرابته من عثمان.
وبموقف معاوية هذا في الامتناع عن بيعة علي انتظارًا للقصاص من قتلة عثمان، ولعدم إنفاذ أوامره في الشام أصبح معاوية ومن تبعه من أهل الشام في نظر علي في موقف الخارجين على الخلافة، إذ كان رأيه أن بيعته قد انعقدت برضاء من حضرها من المهاجرين والأنصار بالمدينة، فلزمت بذلك بقية المسلمين في جميع الأقطار الإسلامية. ولذلك رأى أن معاوية ومن معه من أهل الشام بُغاة خارجون عليه، وهو الإمام منذ بُويع بالخلافة، فقرّر أن يُخضعهم وردّهم إلى حظيرة الجماعة ولو بالقوة.
وفهم الخلاف على هذه الصورة - وهي صورته الحقيقية - يبين إلى أي مدى تخطئ الرواية السابقة عن التحكيم في تصوير رأي الحكمين. إن الحكمين مفوضين للحكم في الخلاف بين علي ومعاوية، ولم يكن الخلاف بينهما حول الخلافة ومن أحق بها منهما، وإنما كان حول توقيع القصاص على قتلة عثمان رضي الله عنه، وليس هذا من أمر الخلافة في شيء، فإذا ترك الحكمان هذه القضية الأساسية، وهي ما طلب إليهما الحكم فيه، واتخذا قرارًا في شأن الخلافة كما تزعم الرواية الشائعة، فمعنى ذلك أنهما لم يفقها موضوع النزاع، ولم يُحيطا بموضوع الدعوى، وهو أمر مُستبعد.
2 -منصب كل من علي ومعاوية ومكانتهما: كان معاوية رضي الله عنه قد تولّى حكم الشام نائبًا عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وبقي في ولايته إلى أن مات عمر، وتولى عثمان رضي الله عنه أمر الخلافة فأقرّه في منصبه، ثم قُتل عثمان وتولى علي رضي الله عنه الخلافة فلم يُقر معاوية في عمله، حيث أصبح معزولًا بعد انتهاء ولايته بمقتل الخليفة الذي ولاّه.
وبذلك فقد معاوية مركزه ومنصبه كوالٍ لبلاد الشام، وإن لم يفقد مركزه الفعلي أو الواقعي كحاكم غير مُولّى للشام بحكم اتباع الناس إياه، واقتناعهم بالسبب الذي جعله يرفض بيعة علي، وهو المطالبة باقتضاء حقه في القصاص من قتلة عثمان باعتباره وليًّا للدم.
وإذا كان الأمر كذلك - وهو الثابت تاريخيًا - فإن قرار الحكمين إذًا نضمن فيما تزعم الرواية المذكورة عزل كل من علي ومعاوية. فقد ورد العزل في حق معاوية على غير محله، لأنه إذا تصورنا أن يعزل الحكمان عليًا من منصب الخلافة إذا فرضنا جدلًا أنهما كانا يحكمان فيها. ولكن عمّ يعزلان معاوية؟ هل كانا يملكان عزله عن قرابته أو منعه من المطالبة بحقه فيها؟ .. وهل عهد التاريخ في حقبة من حقبه أن يُعزل ثائر عن زعامة الثائرين معه بقرار يصدره قاضيان؟ .. ولا شك أن هذا عامل آخر يؤيد بطلان القصة الشائعة عن قضية التحكيم والقرار الصادر فيها.
3 -شخصية كل من أبى موسى الأشعري وعمرو بن العاص رضي الله عنهما: إن القول بأن أبا موسى الأشعري كان في قضية التحكيم ضحية خديعة عمرو بن العاص ينافي الحقائق التاريخية الثابتة عن فضله وفطنته وفقهه ودينه والتي تثبت له بتوليه بعض أعمال الحكم والقضاء في الدولة الإسلامية منذ عهد رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم.
فقد استعمله النبي صلَّى الله عليه وسلَّم على زبيد وعدن، واستعمله عمر رضي الله عنه على البصرة وبقي واليًا عليها إلى أن قُتل عمر. وكذلك استعمله عثمان رضي الله عنه على البصرة، ثم على الكوفة، وبقي واليًا عليها إلى أن قُتل عثمان. فأقرّه علي رضي الله عنه. فهل يُتصوّر أن يثق رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ثم خلفاؤه من بعده برجل يُمكن أن يتجوز عليه مثل هذه الخدعة التي ترويها قصة التحكيم؟.
هذا وقد شهد الصحابة وكثير من علماء التابعين لأبي موسى رضي الله عنه بالرسوخ في العالم، والكفاءة في الحكم، والفطنة والكياسة في القضاء. فكيف يمكن تصور غفلته إلى هذا الحد؟ .. فلا يفقه حقيقة النزاع الذي كُلّف بالحكم فيه، ويصدر فيه قرارًا لا محلّ له، وهو قرار عزل الخليفة الشرعي بدون مبرّر يسوغ هذا الفعل، وقرار عزل معاوية المزعوم، ثم يقع منه ومن عمرو بن العاس ما نُسب إليهما من السبّ والشتم، وهو أمر يتعارض مع ما عُرف وتواتر عن الصحابة رضوان الله عليهم من حسن الخلق وأدب الحديث.
وإذا كان علم أبي موسى رضي الله عنه وخبرته في القضاء يحولان بينه وبين أن يخطئ الحكم في القضية التي أُوكل إليه النظر في أمرها، فإن ذلك أيضًا هو شأن عمرو بن العاص رضي الله عنه الذي يُعتبر من أذكياء العرب وحكمائهم، وقد أمره رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم أن يقضي بين خصمين في حضرته، وبشّره حين سأله: يا رسول الله أقضي وأنت حاضر؟ بأن له إن أصاب أجران وإن أخطأ أجر واحد حين قال له: إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ له أجر.
وقبول تلك الرواية يعني الحكم على عمرو بن العاص رضي الله عنه بأنه كان في أداء مهمته رجلًا تُسيّره الأهواء، فتطغى لا على فطنته وخبرته فحسب، بل على ورعه وتقواه أيضًا. على أنه رضي الله عنه كان من أجلاء الصحابة وأفاضلهم، مناقبه كثيرة، ويذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في فتاواه أن أحدًا من السلف لم يتهم عمرو بن العاص ومعاوية رضي الله عنهما بنفاق أو خداع.
وبهذا يتبين من خلال الأمور التي عرضت سابقًا كذب الرواية الشائعة بين الناس عن التحكيم بأي معيار من معايير النقد الموضوعي للنصوص التاريخية. (تحقيق مواقف الصحابة في الفتنة من روايات الإمام الطبري والمحدثين للدكتور محمد أمحزون ج 2 ص 223 - 232 باختصار، والكتاب ذو أهمية بالغة لمن يريد أن يفقه تاريخ الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين لاسيما في الفترة الحرجة من تاريخ هذه الأمة) .