فهرس الكتاب

الصفحة 9 من 273

فَإِذَا طَلَبَ مِنْك آيَةً، فَضَعْ يَدَك عَلَى تَرْقُوَتِهِ» فَهَذَا اعْتِمَادٌ فِي الدَّفْعِ إلَى الطَّالِبِ عَلَى مُجَرَّدِ الْعَلَامَةِ، وَإِقَامَةٌ لَهَا مَقَامَ الشَّاهِدِ.

فَالشَّارِعُ لَمْ يُلْغِ الْقَرَائِنَ وَالْأَمَارَاتِ وَدَلَالَاتِ الْأَحْوَالِ، بَلْ مَنْ اسْتَقْرَأَ الشَّرْعَ فِي مَصَادِرِهِ وَمَوَارِدِهِ وَجَدَهُ شَاهِدًا لَهَا بِالِاعْتِبَارِ، مُرَتِّبًا عَلَيْهَا الْأَحْكَامَ وَقَوْلُ أَبِي الْوَفَاءِ ابْنِ عَقِيلٍ:"لَيْسَ هَذَا فِرَاسَةً"، فَيُقَالُ: وَلَا مَحْذُورَ فِي تَسْمِيَتِهِ فِرَاسَةً، فَهِيَ فِرَاسَةٌ صَادِقَةٌ.

وَقَدْ مَدَحَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ الْفِرَاسَةَ وَأَهْلَهَا فِي مَوَاضِعَ مِنْ كِتَابِهِ، فَقَالَ تَعَالَى: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ} [الحجر: 75] وَهُمْ الْمُتَفَرِّسُونَ الْآخِذُونَ بِالسِّيمَا، وَهِيَ الْعَلَامَةُ، يُقَالُ: تَفَرَّسْت فِيك كَيْتَ وَكَيْتَ وَتَوَسَّمْته.

وَقَالَ تَعَالَى: {وَلَوْ نَشَاءُ لأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ} [محمد: 30] وَقَالَ تَعَالَى: {يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ} [البقرة: 273] وَفِي"جَامِعِ التِّرْمِذِيِّ"مَرْفُوعًا: «اتَّقُوا فِرَاسَةَ الْمُؤْمِنِ، فَإِنَّهُ يَنْظُرُ بِنُورِ اللَّهِ، ثُمَّ قَرَأَ {إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ} [الحجر: 75] » .

[فَصَلِّ فِي الْعَمَل فِي السَّلْطَنَة بِالسِّيَاسَةِ الشَّرِيعَة]

6 - (فَصْلٌ) وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ فِي الْفُنُونِ": جَرَى فِي جَوَازِ الْعَمَلِ فِي السَّلْطَنَةِ بِالسِّيَاسَةِ الشَّرْعِيَّةِ: أَنَّهُ هُوَ الْحَزْمُ، وَلَا يَخْلُو مِنْ الْقَوْلِ بِهِ إمَامٌ."

فَقَالَ شَافِعِيٌّ: لَا سِيَاسَةَ إلَّا مَا وَافَقَ الشَّرْعَ. فَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: السِّيَاسَةُ مَا كَانَ فِعْلًا يَكُونُ مَعَهُ النَّاسُ أَقْرَبَ إلَى الصَّلَاحِ، وَأَبْعَدَ عَنْ الْفَسَادِ، وَإِنْ لَمْ يَضَعْهُ الرَّسُولُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -، وَلَا نَزَلَ بِهِ وَحْيٌ، فَإِنْ أَرَدْت بِقَوْلِك:"إلَّا مَا وَافَقَ الشَّرْعَ"أَيْ لَمْ يُخَالِفْ مَا نَطَقَ بِهِ الشَّرْعُ: فَصَحِيحٌ.

وَإِنْ أَرَدْت: لَا سِيَاسَةَ إلَّا مَا نَطَقَ بِهِ الشَّرْعُ: فَغَلَطٌ، وَتَغْلِيطٌ لِلصَّحَابَةِ فَقَدْ جَرَى مِنْ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ مِنْ الْقَتْلِ وَالتَّمْثِيلِ مَا لَا يَجْحَدُهُ عَالِمٌ بِالسُّنَنِ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ إلَّا تَحْرِيقُ عُثْمَانَ الْمَصَاحِفَ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت