الصفحة 1 من 3

حجب العقول عن الطريق الأرشد ... بسم الله الرحمن الرحيم

وقفات مع كتاب"القول المأمون"

في تخريج ما ورد عن ابن عباس في تفسير

{ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون}

لعلي حسن الحلبي

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فهو المهتد ومن يضلل فلا هادى له.

أشهد ألا اله إلا الله وحده لا شريك له، واشهد إن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم.

أما بعد ...

فان أحسن ما يدّخر المرء في العقبى وأفضل ما يكتسب به الذخر في الدنيا الصدع بمله إبراهيم الخليل والذب عنها وتطهيرها من كل شائبة تشوبها - خاصة ونحن في زمن عاد فيه الدين غريبا كما بدا - إن ترغب فيه إلى عالم وجدته مفتونا بالدنيا معجبا بالرئاسة، وان ترغب فيه إلى عابد وجدتَه جاهلًا لا يعرف أدنى مراتب العبادة فضلًا عن أعلاها.

وليعلم العقلاء من المؤمنين وذوو الآراء من المميزين؛ أن أخبار الرسول قد صحت في أهل زماننا أخبار الفتن وتسلط الأهواء، فحق لهم أن يستدلوا بصحتها على وحشة ما عليه أهل عصرنا، والله المستعان.

ولكن كما اخبر الصادق المصدوق؛ هناك بقية من أهل الخير شرح الله صدورهم حتى انقادت أنفسهم لعبادته، ثم اصطفى منهم طائفة أصفياء، وجعلهم بررة أتقياء، فأفرق عليهم أنواع نعمته وهداهم لصفوة طاعته فهم القائمون بإظهار دينه، المتمسكون بسنة نبيه هم القوم الذين سلكوا محجة الصالحين واتبعوا آثار السلف من الماضين ودمغوا أهل البدع المخالفين - الذين يصلحون ما أفسد الناس - اللهم اجعلنا منهم آمين ... آمين.

وبعد ...

فإن من المحن التي توالت على المسلمين؛ ظهور قوم من أذناب المرجئة وقيامهم على إبطال كلية من كليات الشريعة، ألا وهي؛ أن الحاكم والمشرع هو الله، فلا حكم إلا حكمه، ولا تشريع إلا تشريعه، وان من نازع الله في شيء من ذلك كان كافرا، طاغوتا من الطواغيت.

فجعلوا هذه الكلية منتقضة بقولهم؛ إن الحاكم والمشرع لا يكون كافرا كفرا أكبر بل هو كفر دون كفر ... وكفر لا ينقل عن الملة ... مستدلين بما نسب إلى حبر الأمة؛ عبد الله بن عباس في ذلك.

وقد كنا بحثنا أسانيد هذا الأثر، فلم نجد له إسنادا صحيحا تقوم به الحجة، ثم أخبرنا بعض الاخوة؛ أن هناك جزءًا حديثيا يسمي"القول المأمون"لعلي بن عبد الحميد الحلبي؛ جمع فيه طرق هذا الأثر، ثم رجح تصحيحه وإثباته عن ابن عباس.

فبعد أن اطلعنا عليه وصوبنا النظر في محتواه، لم نجد فيه كبير فائدة، وإنما هو تراجم لرواة الأسانيد ومقدمة وفهرست؛ وكان خاويا من علم العلل، فلا تكاد تجد فيه شيئا من ذلك، فمعرفة مراتب الرجال سهل، مدون، مفهرس، يستطيع الناشئ أن يستخرج ذلك.

ولكن النظر في العلل واستخراجها ومعرفتها؛ هو صفة جهابذة هذا الفن، وهذا واضح لمن نظر في الجزء بتجرد، ولا يخفى إلا على العميان الذين قلدوا دينهم الرجال، سواء جاءوا بالحق أو بالباطل، فقط ينظرون إلى اسم الكتاب واسم مؤلفه والترجيح الذي رجحه، ثم لا يلتفتون إلى باقي الكتاب، فهذا هو حال كثير من المنتسبين إلى طلب العلم والله المستعان، فنقول إلى هؤلاء:

إنا نرى التقليد داء قاتلا

فترى المقلد تائها لا يهتدي ... جعل الطريق على المقلد حالكا

من كل قلب خائف متردد ... لذا بدأنا في اجتثاث جذوره

بمراهم الوحي الشريف المرشد ... ولسوف ندمل داءه وجراحه

أفرس تحتك أم حمار ... لذلك عقدنا العزم على كتابة هذا الجزء، ردا على هذه الرسالة، ونصحا للأمة وإشفاقا عليها أن ترتكس في مستنقع الإرجاء والتجهم الآسن.

وليس المقصد من كتابة هذا الجزء بسط مسألة - حجية الموقوفات من الآثار - أو ما شابهها من المسائل، وانما هو جزء حديثي يختص بالبحث عن هذا الأثر من الناحية الإسنادية، وأما الرد على هذه المقولة التي لم يفهم هؤلاء القوم مراد قائلها - إن صحت - والتي طاروا بها كل مطار؛ فله مقام آخر.

وستعلم إذا انجلى الغبار

فالله تعالى أسأل أن أكون قد وفقت في بيان هذه المسألة والإحاطة بجوانبها، وأن يتقبل مني هذا العمل خالصًا لوجهه الكريم، وأن ينفعني به والمسلمين، وأن ينصر به الحق وأهله، إنه على ما يشاء قدير.

والحمد لله رب العالمين

وصلي اللهم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين

صلاةً دائمةً إلى يوم الدين

أعده الفقير إلى رحمة ربه المنان

أبو مروان السوداني

كان الله له ... آمين

11/جمادى الآخر/1414 هـ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت