الشخص حينئذ مؤمنا تام الإيمان الذي وجب عليه، وإن كان مثل ذلك الإيمان (أي: الإيمان الباطن والإقرار باللسان) لو أتى به بعد الهجرة لم يقبل منه، ولو اقتصر عليه كان كافرًا).
ويقول: (يلزمهم ويلزم المرجئة، أنهم قالوا: إن العبد قد يكون مؤمنا تام الإيمان، إيمانه مثل إيمان الأنبياء والصديقين، ولو لم يعمل خيرا لا صلاة ولا صلة ولا صدق حديث، ولم يدع كبيرة إلا ركبها، فيكون الرجل عندهم، إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا أؤتمن خان، وهو مصر على دوام الكذب والخيانة ونقض العهود، لا يسجد لله سجدة، ولا يحسن إلى أحد حسنة، ولا يؤدي الأمانة، ولا يدع ما يقدر عليه من كذب وظلم وفاحشة إلا فعلها، وهو مع ذلك مؤمن تام الإيمان، إيمانه مثل إيمان الأنبياء، وهذا يلزم كل من لم يقل إن الأعمال الظاهرة من لوازم الإيمان الباطن) .
وقال: (وكان كل من الطائفتين(أي: من المرجئة) . بعد السلف وأهل الحديث متناقضتين، حيث قالوا: الإيمان قول وعمل، وقالوا مع ذلك لا يزول بزوال بعض الأعمال (أي: الأعمال التي هي ركن في الإيمان، كالالتزام الإجمالي، والصلاة) . -
قال صاحب (تيسير ذي الجلال والإكرام بشرح نواقض الإسلام) (ص 102/ 103) في كلامه عن الناقض العاشر: (فإذا كان جنس العمل الظاهر من أصل الإيمان، فإن تركه وعدم الالتزام به إعراض كلي عن هذا العمل، ومن ثم فهو كفر مخرج عن الملة. لكن يجب أن يعلم أن الإعراض ليس كله مما يخرج عن الملة، بل منه ما هو مخرج من الملة، وهو الإعراض عن جنس العمل(الطاعة) ، والذي يعد شرطًا في صحة الإيمان. كما وضحه ابن تيمية قائلًا: (وقد تبين أن الدين لا بد فيه من قول وعمل وأنه يمتنع أن يكون الرجل مؤمنا بالله ورسوله بقلبه ولسانه ولم يؤد واجبا ظاهرا ولا صلاة ولا زكاة ولا صياما وغير ذلك من الواجبات) [1] .
وهناك إعراض لا يخرج من الملة، كأن يكون معه أصل الإيمان، لكنه يعرض عن فعل واجب من الواجبات الشرعية، وبهذا ندرك الفرق بين الإعراض الكلي عن جنس العمل الظاهر (الطاعة أو الاتباع) ، وبين الإعراض الجزئي عن بعض العمل، فالأول ينقص الإيمان وينفيه بالكلية، والآخر ينقص الإيمان، لكنه لا ينفيه بالكلية [2]
يقول ابن تيمية: (وأصل ضلال هؤلاء(الرافضة والجهمية) الإعراض عما جاء به الرسول من الكتاب والحكمة، وابتغاء الهدى في خلاف ذلك، فمن كان هذا أصله فهو بعد بلاغ الرسالة كافر لا ريب فيه) [3] .
(1) مجموع الفتاوى (7/ 621) .
(2) قال صاحب نواقض الإيمان القولية والعملية (ص 345) : (والمقصود بالإعراض -ها هنا- والذي يعد ناقضًا من نواقض الإيمان العملية هو الإعراض التام عن دين الله تعالى لا يتعلمه ولا يعمل به وهو التولي عن طاعة الرسول والامتناع عن الاتباع والصدود عن قبول حكم الشريعة فإذا كان جنس العمل الظاهر من أصل الإيمان، فإن تركه وعدم الالتزام به إعراض كلي عن هذا العمل، ومن ثم فهو كفر مخرج عن الملة ... ) .
(3) المجموع (12/ 497) . ومثله في المدارج لابن القيم (1/ 347) ومفتاح دار السعادة (1/ 94) .