وهذه الرسالة عبارة عن فتاوى اللجنة الدائمة للبحوث العلمية والإفتاء، -أصدرتها في حق كتابي علي الحلبي: (التحذير من فتنة التكفير) و (صيحة نذير) . وكتاب (حقيقة الإيمان بين غلو الخوارج وتفريط المرجئة) . لعدنان عبد القادر، ثم حذروا من الرجوع إلى كتبهم لأنها صدرت عن أناس متعالمين لم يأخذوا العلم عن أهله ومصادره الأصلية.
وأنهم اقتحموا القول في هذا الأصل العظيم من أصول الاعتقاد، وتبنوا مذهب المرجئة ونسبوه ظلمًا إلى أهل السنة والجماعة ولبسوا بذلك على الناس، وعززوه عدوانًا بالنقل عن شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره من أئمة السلف بالنقول المبتورة، وبمتشابه القول وعدم رده إلى المحكم من كلامه، ثم طلبوا منهم أن يتقوا الله في أنفسهم وأن يتوبوا إلى رشدهم ولا يصدعوا الصف بهذا المذهب الضال، ثم حذرت اللجنة من الاغترار بالحلبي، وبعدنان عبد القادر، وبالعنبري، وشكري [1] ، ومن على شاكلتهم ممن يحصر الكفر بكفر الجحود والتكذيب والاستحلال القلبي [2] . فإليكم الفتوى الأولى في حق من يرى نجاة من ترك جميع الأعمال.
(1) هؤلاء كونوا جمعية سماها أحد المشايخ الفضلاء: (جمعية الرفق بالطواغيت) .
(2) قال شيخ الإسلام ابن تيمية في (الصارم) (3/ 963) : (أن اعتقاد حل السب كفر، سواء اقترن به وجود السب أو لم يقترن، فإذن لا أثر للسب في التكفير وجودًا وعدمًا وإنما المؤثر هو الاعتقاد، وهو خلاف ما أجمع عليه العلماء) . وقبله قال في (3/ 960) : (ويجب أن يعلم أن القول بأن كفر الساب في نفس الأمر إنما هو لاستحلاله السب زلة منكرة وهفوة عظيمة) . قال الشيخ الألباني في (العقيدة الطحاوية شرح وتعليق) (ص 60) معلقًا على قول الطحاوي: (ولا نكفر أحدًا من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله) : (قلت: يعني استحلالًا قلبيًا اعتقاديًا، وإلا فكل مذنب مستحل لذنبه عمليًا أي: مرتكب له ولذلك فلا بد من التفريق بين المستحل اعتقادًا فهو كافر إجماعًا وبين المستحل عملًا لا اعتقادًا فهو مذنب يستحق العذاب اللائق به إلا أن يغفر الله له) . قال الشيخ ابن باز في تعليق على الطحاوية (ص.18) : (مراده -رحمه الله- أن أهل السنة والجماعة لا يكفرون المسلم الموحد المؤمن بالله واليوم الآخر بذنب يرتكبه كالزنا وشرب الخمر وعقوق الوالدين وأمثال ذلك ما لم يستحل ذلك فإن استحله كفر لكونه بذلك مكذبًا لله ولرسوله خارجًا عن دينه) . بل قال ابن أبي العز في شرحه الذي لم يعرج عليه الشيخ الألباني (ص 317) : (ولهذا امتنع كثير من الأئمة عن إطلاق القول بأنا لا نكفر أحدًا بذنب بل يقال: لا نكفرهم بكل ذنب كما تفعله الخوارج) . بل قال شيخ الإسلام في (المجموع) (12/ 474) : (ولهذا قال علماء السنة في وصفهم اعتقاد أهل السنة والجماعة: أنهم لا يكفرون أحدًا من أهل القبلة بذنب، إشارة إلى بدعة الخوارج المكفرة بمطلق الذنوب) . وقال الحافظ الحكمي في (المعارج) (2/ 328) :
ولا نكفر بالمعاصي مؤمنا ... إلا مع استحلاله لما جنى
والقول بالتفصيل في مسألة الاستحلال أصاب المفصل، وهو قول العلامة أبي محمد المقدسي في (إمتاع النظر في كشف شبهات مرجئة العصر) (ص 56) بتصرف مني: (وفي هذا فائدة في أن الاستحلال كما أنه يكون بالاعتقاد دون العمل تارة، وبالاعتقاد مع العمل تارة أخرى، فإنه يكون أيضًا كذلك عملًا مجردًا، ومن هذا الباب تفريق أهل العلم بين الزاني بمحرم من محارمه والعياذ بالله، وبين من تزوج من محارمه فعقد عليها عقد نكاح ... حيث ذكروا في هذا ما رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وغيرهم وهو صحيح عن البراء أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث خاله أو عمه إلى رجل تزوج امرأة أبيه فقتله، وفي رواية عن معاوية بن قرة عن أبيه:(أنه خمس ماله) . يقول ابن جرير معلقًا على هذه الحادثة: (وكان فعله من أدل الدليل على تكذيبه رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما أتاه من الله تعالى ذكره، وجحوده آية محكمة في تنزيله ... فكان بذلك لمن فعله حكم القتل وضرب العنق، فلذلك أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، بقتله وضرب عنقه لأن ذلك كان سنته في المرتد عن الإسلام) . (تهذيب الآثار) (2/ 148) . فصح أن الاستحلال يكون عملًا.