فهرس الكتاب
وإذا أظهر الحاكم الكفر وجب الخروج عليه إجماعا -عند القدرة- دون النظر إلى عاقبة الخروج، إذ لا فتنة أكبر من فتنة الكفر.
يقول أبو بكر بن العربي في (أحكام القرآن) عند تفسيره لقوله تعالى: (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ) ، قال (يعني كفر: بدليل قوله تعالى:(وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ) يعني الكفر ... قال: المسألة الثالثة: أن سبب القتل هو"الكفر"بهذه الآية، لأنه تعالى قال: (حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ) فجعل الغاية عدم الكفر نصا، وأبان فيها أن سبب القتل المبيح للقتال: الكفر ... ) [1]
ومما قاله القرطبي في تفسيره لهذه الآية: ( ... وقال صلى الله عليه وسلم:"أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله"فدلت الآية والحديث على أن سبب القتال هو الكفر، لأنه قال: حتى لا تكون فتنة أي كفر، فجعل الغاية عدم الكفر وهذا ظاهر ... ) [2] ، وابن حجر في (الفتح) يقول في شرحه لحديث (أمرت أن أقاتل الناس ... ) : (مقتضى الحديث قتال كل من امتنع عن التوحيد) [3] .
وقال ابن تيمية رحمه الله عند قول الله عز وجل: (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) : (أمر من خالف أمره أن يحذر الفتنة، والفتنة: الردة والكفر، قال سبحانه:(وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ) ... قال الإمام أحمد في رواية الفضل بن زياد:"نظرت المصحف فوجدت طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم في ثلاثة وثلاثين موضعا"ثم جعل يتلو: (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) . وجعل يكررها ويقول:"وما الفتنة؟ الشرك، لعله إذا رد بعض قوله أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيزيغ قلبه فيهلكه"، وجعل يتلو هذه الآية: (فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ) . وقال أبو طالب المشكاني، وقيل له: إن قوما يدعون الحديث ويذهبون إلى رأي سفيان، فقال:"أعجب لقوم سمعوا الحديث وعرفوا الإسناد وصحته، يدعونه ويذهبون إلى رأي سفيان وغيره، قال الله تعالى: (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) وتدري ما الفتنة؟ الكفر، قال الله تعالى: (وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ) [4] ."
(1) أحكام القرآن (1/ 154) .
(2) الجامع لأحكام القرآن (2/ 236) .
(3) فتح الباري (1/ 77) .
(4) الإبانة لابن بطة رقم (37) ، والصارم المسلول (56 - 57) .