الصفحة 22 من 28

ومن اشترط طلب العلم قبل الجهاد فلا دليل له على ذلك من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم أو من سيرته عليه الصلاة والسلام أو سيرة صحابته رضوان الله عليهم، أو من سيرة السلف الصالح.

فقد ورد عن أبي واقد الليثي رضي الله عنه أنه قال: (خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى حنين ونحن حدثاء عهد بكفر، وللمشركين سدرة يعكفون عندها وينوطون بها أسلحتهم، ويقال لها ذات أنواط، فمررنا بسدرة، فقلنا: يا رسول الله، اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، قال صلى الله عليه وسلم: الله أكبر! إنها السنن! قلتم والذي نفسي بيده كما قالت بنو إسرائيل لموسى(اجْعَل لَّنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ) لتركبن سنن من كان قبلكم)، وقد خرج مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى"حنين"اثنا عشر ألفا من الصحابة منهم ألفان من مسلمة الفتح الذين خرجوا معه بعد شهر واحد من إسلامهم، ولم يشترط عليهم النبي عليه الصلاة والسلام طلب العلم الشرعي قبل خروجهم معه للجهاد في سبيل الله.

وقد روى البخاري رحمه الله عن البراء رضي الله عنه قال: (أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل مقنع بالحديد، فقال: يا رسول الله، أقاتل أو أسلم؟ قال: أسلم ثم قاتل، فأسلم ثم قاتل فقتل، فقال صلى الله عليه وسلم، عمل قليلا وأجر كثيرا) [1] .

يقول صاحب (العمدة في إعداد العدة) -حفظه الله-: [ ... إن كان صاحب هذه المقولة -وهي وجوب طلب العلم قبل الجهاد- يعني بذلك فرض العين من العلم الشرعي، فنقول: هذا متيسر بأقل زمن، ولا يلزم معرفته بأدلته الشرعية التفصيلية على الكافة، لما نقله ابن حجر عن القرطبي قال:"هذا الذي عليه أئمة الفتوى ومن قبلهم من أئمة السلف، واحتج بعضهم بما تقدم من القول في أصل الفطرة، وبما تواتر عن النبي صلى الله عليه وسلم ثم الصحابة أنهم حكموا بإسلام من أسلم من جفاة العرب ممن كان يعبد الأوثان، فقبلوا منهم الإقرار بالشهادتين والتزام أحكام الإسلام من غير إلزام بتعلم الأدلة".

وإن كان صاحب هذه المقولة يعني بلك فروض الكفاية من العلوم الشرعية، وأنه لا يجاهد المسلم حتى يحصل قدرا معينا من العلوم الشرعية، فهذا قد أخطأ من وجهين:

(1) الحديث أخرجه البخاري (2808) واللفظ له، ومسلم (1900) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت