فهرس الكتاب
وهناك شبهة ترتبت على كلام مشايخ الإرجاء المعاصرين، ويقول أصحابها: كيف نعلن الجهاد في غياب الحكومة المسلمة؟، والصواب ما قاله ابن قدامة رحمه الله في (المغني مع الشرح الكبير) ، [فإن عدم الإمام لم يؤخر الجهاد لأن مصلحة تفوت بتأخيره، وإن حصلت غنيمة قسمها أهلها على موجب الشرع، قال القاضي: ويؤخر قسمة الإماء حتى يظهر إمام احتياطا للفروج، فإن بعث الإمام جيشا وأمر عليهم أميرا فقتل أو مات، فللجيش أن يؤمروا أحدهم كما فعل أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم في جيش مؤتة، لما قتل أمراؤهم الذين أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم، أمروا عليهم خالد بن الوليد، فبلغ النبي صلى الله عليه وسلم فرضي أمرهم وصوب رأيهم، وسمى خالدا"سيف الله"] [1] .
وقال أبو المعالي الجويني: [وإذا لم يصادف الناس قواما بأمورهم يلوذون به، فيستحيل أن يؤمروا بالقعود عما يقتدرون عليه من دفع الفساد، فإنهم لو تقاعدوا عن الممكن عم الفساد البلاد والعباد ... ] [2] ، وإذا خلا الزمان من إمام، فإن الإمارة تكون شرعية على الطائفة المقاتلة، وذلك لاستمرار قتالها إلى يوم القيامة، ففي حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق ظاهرين إلى يوم القيامة، قال: فينزل عيسى بن مريم فيقول أميرهم: تعال صل لنا، فيقول: لا، إن بعضكم على بعض أمراء تكرمة الله هذه الأمة) [3] .
وفي هذا رد على من احتج بقول الإمام الطحاوي رحمه الله: (والحج والجهاد ماضيان مع أولي الأمر من المسلمين ... ) وقد نبه شارح العقيدة الطحاوية على حقيقة ما ذهب إليه الإمام الطحاوي رحمه الله، قال ابن أبي العز الحنفي: (يشير الشيخ رحمه الله إلى الرد على الرافضة حيث قالوا: لا جهاد في سبيل الله حتى يخرج الرضا من آل محمد، وينادي مناد من السماء: اتبعوه. وبطلان هذا القول أظهر من أن يستدل عليه بدليل) [4] .
وقد شهد تاريخ الإسلام فترات عدم فيها الخليفة، ومثال ذلك السنوات الثلاث التي بدأت بقتل الخليفة العباسي المستعصم بالله سنة 656هـ في بغداد على يد (هولاكو) التتري
(1) المغني مع الشرح الكبير (10/ 374) .
(2) غياث الأمم (387) .
(3) رواه مسلم.
(4) شرح العقيدة الطحاوية (437) .