الصفحة 11 من 25

ثم ذكر طرفًا من صور الاضطهاد والتعذيب التي وقعت على نفر من الصحابة الكرام في مكة أمثال بلال وآل ياسر، وصورًا أخرى من الثبات على الحق في مواجهة ظروف اجتماعية قاسية.

وعلق على ذلك فقال: وهكذا كانت كل خطوة من خطوات الدعوة تسير على الشوك والأذى.

ويمضي المؤلف في إيضاح تلك الحقيقة الكبرى، فيستعرض مسيرة العصبة المؤمنة وحركتها بهذا الدين، وسط أمواج هادرة من الصراع مع كل قوى الباطل، فمن الهجرة من مكة إلى المدينة لوضع نواة الدولة الإسلامية خلاصًا للدعوة، وخروجًا بها من مأزق الجمود والحصار الذي كان مضروبًا عليها بمكة، والتي كانت أيضًا بداية لمصارعة قوى جديدة.

من الهجرة إلى معركة بدر إلى أحد إلى الحديبية وبيعة الرضوان، حيث يمحص المؤمنون، وتصقل النفوس، وتجتاز الامتحان تلو الامتحان ليرى الله صدقها، واستعلاء الإيمان في نفوس المؤمنين وعز الطاعة على جباههم، وإبائهم أن يستضيمهم عدو الله أو ينصاعوا لضغوطه في أي ميدان.

ثم يقول: إن الإنسان ليشعر بالهوة الساحقة بين قمة الإيمان هذه التي يبينها القرآن، وتدل عليها سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وحياة الجماعة المسلمة الأولى، وبين مستنقع النظريات الكلامية المجردة وهي تتحدث عن الإيمان في تجريد وغموض وأوهام وأخلاط، وإن الأمة التي تدع أخذ عقيدتها من كتاب ربها وسنة نبيها وواقع سيرته كي تأخذها من هذه النظريات السقيمة لهي جديرة بأن تكون على الحال الذي عليه أمة الإسلام اليوم وحسبك به من حال.

ويقف بنا المؤلف عند غزوة تبوك ليبالغ في تجلية تلك الحقيقة مشيرًا إلى دلالات واضحة في قصة الثلاثة الذين خلفوا، وما كان من موقف العصبة المؤمنة منهم، وما تعرضوا له بسبب هذا الموقف من محنة رهيبة يصفها الله تعالى بأنها وصلت إلى حد أن: {ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم} ، ويبين كيف أن سورة التوبة؛ الفاضحة، اهتمت في معظمها بفحص نفوس المنافقين وتعريتها وكشف خباياها، وبُعد هذه النفوس عن حقيقة الإيمان، ثم يسلط الضوء على عبرتين هامتين في هذا السياق؛ الأولى: أن المنافقين لم يكن يخفى عليهم قط أن الإيمان جهاد وأعباء، وواجبات وفرائض على النفس والمال، وعلى القلوب والجوارح، ولهذا لم يدر في خلدهم أن يستخدموا منطق الأمة الإسلامية في عصورها الأخيرة فيقولوا للرسول صلى الله عليه وسلم حين استنفرهم للغزو: لن نجاهد معك ولن يضر هذا في إيماننا، فنحن مصدقون لك بقلوبنا، ومقرون برسالتك بألستنا، فدعنا نأخذ بأذناب البقر، ونغرس

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت