الصفحة 12 من 25

الأشجار، ونهتم بشئون أهلينا وأولادنا .. لم يكونوا ليفكروا في هذا، لأن حقيقة الإيمان الحية أمامهم في حياة النبي صلى الله عليه وسلم وصحبه لم تكن تسمح لهم بذلك، فقول كهذا في مجتمع مؤمن كهذا يعد لغوًا وهذيانًا، لم يمثل هذا في تفكيرهم شبهة تكفي أن تسوغ في نظرهم تخاذلهم، ولهذا لجئوا إلى الأعذار الكاذبة الواهية: {لو استطعنا لخرجنا معكم} ، {لا تنفروا في الحر} ، {ائذن لي ولا تفتني} أي ببنات بني الأصفر، {ذرنا نكن مع القاعدين} ، وغير ذلك من الأعذار المفتعلة التي هي شرعية في فقه المنافقين أو أصول فقههم، وهو فقه كثير الحواشي، طويل الذيل، لا يخلو منه عصر ولا دعوة، أما ذاك القول الذي لم يصل أن يكون عذرًا ولا شبهة في أصول فقه المنافقين وقتها، قد أصبح حجة وقاعدة في أصول فقه الطوائف الإسلامية التي دانت بعلم الكلام واتبعت أساطينه.

ويبلغ الدرس أقصاه حين يقول: حقًا إن مما سهل للمرجئة نشر عقيدتهم أن حقيقة الإسلام الحية الكاملة لم تكن قائمة في عصور الانحراف، فكان يسيرًا عليهم أن يقنعوا أمة غير عاملة بأن العمل ليس من الإيمان، إذ ليس أشهى إلى الكسول من أن يجد ما يبرر كسله، ولكن المعيار الوحيد هو الجيل الأول.

والعبرة الثانية: كانت في قصة النفر من المنافقين الذين سخروا من المؤمنين ونزل فيهم قول الله تعالى: {ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزءون لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم} ، هؤلاء النفر فزعوا قبل نزول الآيات، وهُرعوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم معتذرين نادمين، يقسمون الأيمان أنهم ما أرادوا الكفر ولا قصدوه، وأن ما صنعوا لم يكن إلا خوضًا ولعبًا، ولم يكذبهم الله تعالى في دعوى الخوض واللعب بل أوضح أن نفس خوضهم ولعبهم كفر. ثم يقول: إنه لا خلاف بين فقهاء الإسلام في أن الهزل بالكفر كفر، مع تفصيل في فروع المسألة، وقد بقي هذا الإجماع محفوظًا نظريًا في كتب الفقه، أما في الواقع العملي، فإن استمرار الإرجاء، وانحسار مفهوم الإيمان، وغموض مفهوم الكفر، والغفلة عن كثير من ضروبه وأنواعه جعل الأمة الإسلامية تغفل عن تكفير المرتدين قصدًا وجهارًا، ويعني بهؤلاء طوائف الحلولية وغلاة الصوفية والفرق الباطنية وعُبّاد الموتى، ودعاة الشرك بكل ضروبه، وسائر الزنادقة والمنافقين الذين ظهر لهم في عصرنا أسماء وأشكال جديدة؛ كالاشتراكيين والبعثيين والقوميين والعلمانيين وسائر المنضمين أو المؤمنين بالأحزاب المرتدة والنظريات الكفرية، وكذلك دعاة الإباحية المطلقة المنتسبين إلى النظريات الاجتماعية والأدبية والنفسية والتربوية وأمثالها. ويبين أن ثمة علماء في الأمة لم تصبهم تلك الغفلة بشأن هؤلاء المرتدين وأن هؤلاء العلماء دعوا إلى تصحيح الإيمان وتجلية معانيه، فوقفت جموع غافلة من الأمة في وجوه هؤلاء العلماء الأفذاذ من أمثال شيخ الإسلام ابن تيمية والإمام محمد بن عبد الوهاب والشهيد سيد قطب رحمهم الله وأمثالهم متهمة إياهم بتكفير المسلمين، معرضة

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت