عن تصريح هؤلاء العلماء بأنهم لا يقصدون تكفير الأعيان بل تصحيح حقائق الدين في القلوب والأذهان. [1]
إن في كل غزوة وسرية من غزوات النبي صلى الله عليه وسلم وسراياه التي بلغت مائة غزوة وسرية، وفي كل موقف من مواقفه في الدعوة والجهاد، وفي كل مقام من مقامات عبوديته وتبتله إلى ربه لنجد برهانًا ساطعًا ومعلمًا شاخصًا على حقيقة دين الله تعالى وحقيقة الدعوة إليه، وحقيقة النفس التي يجب أن تؤمن به وتستقيم عليه مع إيضاح لحقيقة الجاهلية التي يجب أن تحارب وتدحر لكيلا تقف في طريقه.
لقد كان جيل الصحابة رضي الله عنهم - أصفى أجيال الإنسانية وأعظمها- يدرك هذه الحقائق إدراك من عاناها وتذوقها وتربى عليها وجاهد لأجلها ورأى رسول الله صلى الله عليه وسلم أمامه يعانيها ويدعو إليها، وقد ملك هذا الإدراك نفوس ذلك الجيل حتى بلغ بهم حدًا رفيعًا من الحساسية ورهافة الشعور تجاهها، فاستصحبوا الشعور بالتقصير وسوء الظن بالنفس واستعظام الهفوة، وحتى إنهم ليخشون أن يكون ما أعطاهم الله من الكرامة عقوبة واستدراجًا، ثم أورد نماذج فذة من مؤمني هذا الجيل من الصحابة الكرام رضي الله عنهم، وبين أن على نهجهم سارت من بعدهم أجيال فأكملوا مسيرة الجهاد بكل ضروبه وأنواعه؛ الجهاد لإدخال الأمم في دين الله وتحريرها من عبودية طواغيت الدجل والاستبداد، والجهاد في طلب العلم وتعليمه ليعبدوا على بصيرة، ويدعوا الناس إلى حق واضح، والجهاد في مقاومة البدع والجهاد في تحمل الأذى في سبيل ذلك كله.
يقول: كل ذلك عملوه وجاهدوه لا على أنه مجرد نوافل وتطوعات، ولا على أنه مهام جانبية تقضى في أوقات الفراغ من الشواغل، ولا على أنه وسيلة قطعية توصلهم للدرجات العلى في الجنة، بل كانوا يعملون ذلك كله على أنه حقيقة الإسلام، وهو شعب الإيمان، وهو أسنان ومفتاح الشهادتين، وهو الطريق إلى الجنة إن سلِم من الآفات والعوارض، وما نقل عن أحد منهم قط أنه قال إن إيمانه كإيمان جبريل أو أنه كامل الإيمان وما كان لمثلهم أن يتفوّه بهذا.
ثم طرح أسئلة مما يدور في بعض الأذهان مثل: لماذا كل هذه الجهود والتضحيات والمشقات؟ عندما نخاطب المسلمين بأن طبيعة هذا الدين هي هكذا: ألا تكون صعوبة هذا المنهج وارتفاعه وبطء ثمراته وطول طريقه مبررًا لما يتصورونه من إمكان العيش تحت مظلة
(1) وبلفظ أدق:"تصريح هؤلاء العلماء بأنهم لا يقصدون تكفير الأعيان دون مراعاة الشروط والموانع, بل تصحيح حقائق الدين في القلوب والأذهان".اهـ (منبر التوحيد والجهاد) .