الجاهلية المعاصرة - مكتفين بأداء الشعائر الفردية - هروبًا من تلك التضحيات والتكاليف؟ .. والدعاة خاصة .. ألا نخشى أن يكون ذلك مبررًا لمحاولة الحصول على الثمرة من طرق أخرى يحسبونها ميسورة سهلة المنال بعيدًا عن هذا الطريق المجهد الشاق، وهو ما يحدث فعلًا في أكثر الدعوات المعاصرة؟
ثم أشار إلى أن الإجابة الشافية على هذه الأسئلة تكون بإيضاح الحقائق الكبرى المبينة في العرض السابق أي من واقع سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، على أن علماء أهل السنة والجماعة أجابوا عنها بلسان الحال أو بلسان المقال، منهم شيخا الإسلام ابن تيمية وابن القيم رحمهما الله، بيد أنه اختار لتوضيح هذه المعاني صفحات من كتابات الأستاذ الكبير سيد قطب الذي آمن وفقه وصدق، يقول رحمه الله: إن حقيقة العبادة لو كانت هي مجرد الشعائر التعبدية ما استحقت كل هذا الموكب من الرسل والرسالات، وما استحقت كل هذه العذابات والآلام التي تعرض لها الرسل عليهم السلام، والدعاة والمؤمنون على مدار الزمان، إنما الذي استحق كل هذا الثمن الباهظ هو إخراج البشر جملة من الدينونة للعباد وردهم إلى الدينونة لله وحده في كل أمر وفي كل شأن.
إن توحيد الألوهية وتوحيد الربوبية وتوحيد القوامة، وتوحيد الحاكمية وتوحيد مصدر الشريعة، وتوحيد منهج الحياة وتوحيد الجهة التي يدين لها الناس الدينونة الشاملة .. إن هذا التوحيد هو الذي يستحق أن يرسل من أجله كل هؤلاء الرسل، وأن تبذل في سبيله كل هذه الجهود.
إن الدينونة لله تحرر البشر من الدينونة لغيره، وتخرج الناس من عبادة العباد إلى عبادة الله وحده، وبذلك تحقق للإنسان كرامته الحقيقية، والذين لا يدينون لله وحده يقعون من فورهم في ألوان العبودية لغير الله في كل جانب من جوانب الحياة .. إنهم يقعون فرائس لأهوائهم وشهواتهم بلا حد ولا ضابط، ومن ثم يفقدون خاصتهم الآدمية ويندرجون في عالم البهيمية: {والذين كفروا يتمتعون ويأكلون كما تأكل الأنعام والنار مثوى لهم} ، ولا يخسر الإنسان شيئًا كأن يخسر آدميته، ويندرج في عالم البهيمية، وهذا هو الذي يقع حتمًا بمجرد التملص من الدينونة لله وحده، والوقوع في الدينونة للهوى والشهوة. ثم هم يقعون فرائس لألوان من العبودية: يقعون في عبودية الأحبار والرهبان والجن والكهان والدجاجلة والمشعوذين، يقعون في شرّ ألوان العبودية للحكام والرؤساء الذين يصرفونهم وفق شرائع من عند أنفسهم لا ضابط لها ولا هدف إلا حماية مصالح المشرعين أنفسهم، سواء تمثل هؤلاء المشرعون في فرد حاكم، أو في طبقة حاكمة أو في جنس حاكم، فالنظرة على المستوى الإنساني الشامل تكشف عن هذه الظاهرة في كل حكم بشري لا يستمد من الله وحده، ولا يتقيد بشريعة الله