لا يتعداها .. ولكن العبودية للعبيد لا تقف عند حدود العبودية للحكام والرؤساء والمشرعين؛ فهذه هي الصورة الصارخة، ولكنها ليست هي كل شيء، إن العبودية للعباد تتمثل في صور أخرى خفية، ولكنها قد تكون أقوى وأعمق وأقسى من هذه الصور، ألا وهي عبودية الأعراف والأوضاع والتقاليد.
ثم ضرب لذلك أمثلة بالعبودية لصانعي المودات والأزياء، ثم يقول: وأخيرًا تجيء تكاليف العبودية لحاكمية التشريع البشرية، وما من أضحية يقدمها عابد الله لله, إلا ويقدم لغير الله أضعافها للأرباب الحاكمة من الأموال والأنفس والأعراض.
وتقام أصنام من (الوطن) ومن (القوم) ومن (الجنس) ومن (الطبقة) ومن (الإنتاج) ومن غيرها من شتى الأصنام والأرباب .. وتدق عليها الطبول، وتنصب لها الرايات، ويدعى عباد الأصنام إلى بذل النفوس والأموال لها بغير تردد، وإلا فالتردد هو الخيانة وهو العار!، وحين يتعارض العِرض مع متطلبات هذه الأصنام فإن العرض هو الذي يضحي، ويكون هذا هو الشرف الذي يراق على جوانبه الدم - كما تقول الأبواق المنصوبة حول الأصنام ومن ورائها أولئك الأرباب من الحكام.
وهنا ظاهرة واضحة متكررة، وهي أنه كلما قام عبد من عبيد الله ليقيم من نفسه طاغوتًا يعبد الناس لشخصه من دون الله، احتاج هذا الطاغوت كي يُعبد - أي يطاع ويتبع _ إلى أن يسَخر كل القوى والطاقات: تسبح بحمده وترتل ذكره، وتنفخ في صورته الهزيلة لتتضخم وتشغل مكان الألوهية العظيمة، وألا تكف لحظة عن النفخ في تلك الصور الهزيلة، وإطلاق الترانيم والتراتيل حولها، وحشد الجموع بشتى الوسائل للتسبيح باسمها وإقامة طقوس العبادة لها.
والخلاصة التي ينتهي إليها القول في هذه القضية: أنه يتجلى بوضوح أن قضية الدينونة والاتباع والحاكمية التي يعبر القرآن عنها بالعبادة هي قضية عقيدة وإيمان وإسلام، وليست قضية فقه أو سياسة أو نظام، إنها قضية عقيدة تقوم أو لا تقوم، وقضية إيمان يوجد أو لا يوجد، وقضية إسلام يتحقق أو لا يتحقق، ثم هي بعد ذلك لا قبله قضية منهج للحياة الواقعية يتمثل في شريعة ونظام وأحكام، وفي أوضاع وتجمعات تتحقق فيها الشريعة والنظام وتنفذ فيها الأحكام.
**وفي باب حقيقة النفس الإنسانية بين المؤلف أن ثمة توافقًا وتطابقًا عجيبًا بين النظام الكوني والوحي الديني يشهد بأن هذا الدين هو الحق، كما بين أن النفس الإنسانية هي موضوع الوحي"كتابًا وسنة"فالدين دين الله، والنفس خلق الله، فلهذا لم يشرع الله لهذه